إن أهم فوائد وجود الإمام الغائب (عج) هو كونه واسطة في الفيض وذلك لأنه طبقاً للأدلة في مجال الإمامة توضح أن الرابطة بين العالم والخالق تنقطع بعدم وجود الإمام، وذلك لأن تمام أنواع الفيض الإلهي إنما تنزل على الناس بواسطة الإمام وقد ورد مضمون الحديث التالي في أحاديث كثيرة وهو "لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت".
ولد الإمام المهدي القائم بالعدل في النصف من شعبان (اصول الكافي، ج1 ص 514 طبعة 1388) سنة 255 هجرية قمرية وفي مدينة سامراء ( سر من رأى).
وأصبح إماماً سنة 260 هجرية قمرية أي في السنة التي توفى فيها والده العظيم الإمام الحسن العسكري (ع)، اسمه وكنيته هما مثل اسم النبي وكنيته، وأبوه هو الإمام العسكري الإمام الحادي عشر للشيعة وأمه هي المرأة الطاهرة نرجس (سلام الله عليها).
ولم يظهر الإمام لعموم الناس منذ أيامه الأولى، ولم يتصل به الناس إلى حدود 70 سنة إلا بواسطة نوابه الخاصين وهم على الترتيب: (عثمان بن سعيد ومحمد بن عثمان والحسين بن روح وعلي بن محمد السمري)، ويطلق على هذه الفترة الزمنية التي بلغت 70 سنة اسم (الغيبة الصغرى) وبعد ذلك بدأت الغيبة الكبرى وفي عهد الغيبة الكبرى لم ولن يعين أحدٌ كنائب خاص، وعلى الأمة في هذا العهد أن ترجع إلى نوابه العامين وهم الفقهاء و رواة الحديث المتخصصون في الشؤون الدينية.
الاعتقاد بالمهدی (ع) والإصلاح العالمی:
ليس الإعتقاد بظهور الإمام المهدي (ع) و المصلح العالمي مختصاً بالشيعة بل هو أمرُ تعتقد به سائر الفرق الإسلامية وحتى غير المسلمين أيضاً كاليهود والنصارى والعلماء الكبار في العالم.
وقد جاء في زبور داود: " والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض . . . أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذذون في كثرة السلامة . . . وعاضد الصديقين الرب . . . الرب عارف أيام الكملة وميراثهم إلى الأبد يكون . . . لأن المباركين منه يرثون الأرض والملعونين منه يقطعون . . . الصديقون يرثون الأرض ويسكنون فيها إلى الأبد ". (المزمور 37، الدرقام 10 - 30)
القرآن والإعتقاد بالمهدی (ع):
لقد وعد القرآن الكريم الأمة بيوم يستلم فيه رجال الحق والأناس اللائقون أزمة القيادة في الأرض، وينتصر فيه الدين الإسلامي على سائر الأديان ويعم الأرض، هذا بالإضافة إلى ورود آيات فيه تفسر بالإمام المهدي (ع):
1- {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ (وقد نقلنا من قبل عبارة الزبور " إذ اعلنت أن القيادة اللائقة ستتسلم الأمور في العالم ") مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}. (سورة الأنبياء آية 105).
2- {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} (سورة النور آية 55).
3- {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (سورة الصف آية 9).
4- {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (سورة القصص آية 5).
وهكذا يتوضح من هذه الآيات أن العالم سيصل حتماً إلى اليوم الذي تستلم فيه القيادة الرشيدة اللائقه أزمة الأمور فيه، فيكون أولياء الله قادة الأرض يعلو الإسلام فيه على سائر العقائد. (هناك آيات أخرى تؤكد هذا المعنى بعد أن فسرتها أو أولتها الروايات بما يتصل وقضية الإمام المهدي (ع) وذلك من مثل آية " الذين يؤمنون بالغيب "وآية " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " وغيرها) وهي آيات كثيرة ذكر عمدتها المرحوم السيد هاشم البحراني في كتاب «المحجة فيما نزل في القائم الحجة»).
المهدي في المصادر السنية:
روى علماء السنة في هذا المجال روايات كثيرة عن رواة يوثقونهم عن النبي الأكرم (ص) وتؤكد هذه الروايات على أن الأئمة هم اثنا عشر إماماً وإنهم كلهم من قريش، وأن المهدي من أهل بيته (ص) وأبناء علي وفاطمة، وقد صرح الكثير منها انه من نسل الإمام الحسين (ع). وقد رووا في هذا المجال المئات من الأحاديث والتي جاءت في أكثر من 70 مصدراً معتبراً ونحن نشير إلى بعض منها فيما يلي:
- المسند تأليف أحمد بن حنبل المتوفي سنة 241 هجرية.
- صحيح البخاري تأليف البخاري المتوفي سنة 256 هجرية.
- صحيح مسلم تأليف مسلم بن حجاج النيشابوري المتوفي سنة 275 هجرية.
- صحيح الترمذي تأليف محمد بن عيسى الترمذي المتوفي سنة 279 هجرية.
ومن الملاحظ أن مؤلفين هذه الكتب المذكورة وكل منها أصح المسانيد المعتبرة عن أهل السنة هؤلاء توفوا إما قبل ولادة الإمام المهدي (ع) - سنة 255 هجرية - أو بعد ولادته بقليل.
وهكذا:
- مصابيح السنة تأليف البغوي المتوفي سنة 516 هجرية.
- جامع الأصول تأليف ابن الأثير المتوفي سنة 606 هجرية.
- الفتوحات المكية تأليف محي الدين بن عربي المتوفي سنة 654 هجرية.
- تذكرة الخواص تأليف سبط ابن الجوزي المتوفي سنة 654 هجرية.
- فوائد السميطي تأليف الحموي المتوفي سنة 716 هجرية.
- الصواعق تأليف ابن حجر الهيثمي المتوفي سنة 973 هجرية.
- ينابيع المودة تأليف الشيخ سليمان القندوزي المتوفي سنة 1293 هجرية.
وقد ألف عدة من علماء السنة كتباً مستقلة حول الإمام المهدي (ع) ومنها:
1- "البيان في أخبار صاحب الزمان" للعلامة الكنجي الشافعي.
2- "عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر" للشيخ جمال الدين يوسف الدمشقي.
3- "مهدي آل الرسول" لعلي بن سلطان محمد الهروي الحنفي.
4- "كتاب المهدي" تأليف أبى داود.
5- "علامات المهدي" جلال الدين السيوطي.
6- "مناقب المهدي" الحافظ أبى النعيم الأصفهاني.
7- "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر" لإبن حجر.
8- "البرهان في علامات مهدي آخر الأزمان" للملا علي المتقي.
9- "أربعون حديثاً في المهدي" لأبي العلاء الهمداني وغيرها (كشف الظنون ج 1 ،2 ، هدية العارفين ج1 ، 2 ، إيضاح المكنون)
المصلح الغيبي عند الشيعة:
لدينا أكثر من ثلاثة آلاف حديث (3000) عن النبي (ص) والأئمة الطاهرين حول الإمام المهدي (عج) ويستفاد منها أن الإمام المهدي (ع) هو التاسع من ولد الحسين (ع) وأن أباه هو الإمام الحسن العسكري (ع) وأن أمه هي "نرجس خاتون" واسمه اسم نبي آخر الزمان (ص) وطفولته وهو حي إلى اليوم وسيبقى إلى ما شاء الله وأنه سيظهر في يوم من الأيام ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً وأنه غائبٌ عن الناس لحكم في ذلك وانه ما أن يظهر بطلعته المباركة، حتى يتكي على جدار الكعبة ويعلن ذلك، ويدعو أتباعه وعددهم 313 شخصاً فيلبون نداءه ويحيطون به، وينزل عيسى من السماء ويصلي جماعه خلفه، وسينشر أحكام الإسلام في أرجاء العالم وتصير الأرض كالفردوس.
بعض النصوص الواردة:
1- يذكر مؤلف كتاب "ينابيع المودة" في هذا الكتاب أن النبي (ص) قال: "المهدي من ولدي تكون له غيبة إذا ظهر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" (منتخب الأثر ص 249).
2- وجاء في ذلك الكتاب أن سلمان الفارسي قال: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه وهو يقول أنت سيد ابن سيد أخو سيد أنت إمام ابن إمام أخو إمام أنت حجة ابن حجة أخو حجة وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم" (المهدي ص 60).
3- يقول ابن أبي دلف "سمعت علي بن محمد بن علي الرضا يقول: الإمام بعدي الحسن ابني وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" (منتخب الأثر ص 225).
4- ويروي حذيفة أن النبي (ص) قال: "المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري" (ذخائر العقبى ص 136).
5- ينقل مسعدة عن الإمام الصادق أنه قال: "إن قائمنا يخرج من صلب الحسن (يعني العسكري) والحسن يخرج من صلب علي (يعني الهادي) وعلي يخرج من صلب محمد (يعني الجواد) ومحمد يخرج من صلب علي (يعني الرضا) وعلي يخرج من صلب ابني هذا (يعني الكاظم) - وأشار إلى موسى- وهذا خرج من صلبي، ونحن اثنا عشر إماما، كلنا معصومون مطهرون، والله لو لم يبق إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا أهل البيت" (اثبات الهداة ج 2 ص 562).
رأي علماء الاجتماع:
يرى علماء الإجتماع الكبار في العالم أن الحروب وسفك الدماء وقتل الأنفس وكل هذه المفاسد المتزايدة اليوم إنما هي ناتجة من عدم توفر التوازن بين متطلبات الجسم والروح الإنسانين.
فالإنسان اليوم قد سحق الفضائل الأخلاقية والمنابع المعنوية، وإن كان قد سخر البحر والفضاء والصحراء لصالحه وصعد إلى القمر.
ومن البديهي أنه لا يمكن إقرار العدالة والنظام الصحيح بالقوة والقدرة ولا يمكن أن تضمن سعادة البشرية بحصول التقنية المتقدمة وباقي العلوم المادية وليس للإنسانية محيص من أن تقيم علاقاتها على أساس من الإيمان والأخلاق وتنجي نفسها من دوامة الخطر بقيادة مصلح عالمي عظيم، وتصل إلى إقرار الحكم القائم على أساس العدالة والأمن والصفاء والأخوة.
وعلى هذا نستنتج أن البشرية تسرع اليوم وتستعد لتقبل قيادة الإمام صاحب الزمان (ع).
طول عمر الإمام (ع):
نحن نرى أن طول عمر الإنسان ليس من الأمور المستحيلة و ذلك لأننا نقرأ في القرآن الكريم أن نوحاً (ع) قد عمّر طويلاً إذ دامت مدة تبليغه 950 سنة (سورة العنكبوت الآية 14).
وعلى أساس من التحقيقات العلمية التي قام بها علماء الطبيعة فقد ثبت إمكان كون عمر الإنسان طويلاً وحتى أن أكابر العلماء صمموا على تهيئة أنواع من الأغذية والأدوية التي تساعد في إطالة العمر.
وينقل المرحوم آية الله الصدر في كتابه (المهدي) مقالاً ورد في مجلة (المقتطف) العدد الثالث من سنة 1959 وذلك كشاهد على المدعى السابق ونحن نذكر مقتبسات مما جاء فيه: "لكن العلماء الموثوق بعلمهم يقولون أن كل الأنسجة الرئيسة من جسم الحيوان تقبل البقاء إلى ما لا نهاية وأنه في الإمكان يبقى الإنسان حياً ألوفا من السنين إذا لم تعرض عليه عوارض تصرم حبل حياته وقولهم هذا ليس مجرد ظن بل هو نتيجة عملية مؤيدة بالامتحان . . . .
قال الأستاذ «ديمندوبرل» من أساتذة جامعة جونس هبكنس: أن كل الأجزاء الخلوية الرئيسة من جسم الإنسان قد ثبت أن خلودها بالقوة صار أمراً مثبتاً بالامتحان أو مرجحاً ترجيحاً تاماً لطول ما عاشه حتى الآن . . . والظاهر أن أول من امتحن ذلك في أجزاء من جسم الحيوان هو الدكتور «جاك لوب» . . . ثم أثبت الدكتور «ودن لويس» وزوجته أنه يمكن وضع أجزاء خلوية من جسم جنين طائر في سائل ملحي فتبقى حية وتوالت التجارب . . . حتى قام الدكتور «الكسيس كارل» وأثبت منها أن هذه الأجزاء لا تشيخ الحيوان الذي أُخذت منه بل تعيش أكثر مما يعيش هو عادة وقد شرع في التجارب المذكورة في شهر يناير سنة 1912 ميلادية ولقي عقبات كثيرة وثبت له:
1- أن هذه الأجزاء الخلوية تبقى حية ما لم يعرض لها عارض يميتها إما من قلة الغذاء أو من دخول بعض الميكروبات.
2- أنها لا تكتفي بالبقاء حية بل تنمو خلاياها وتتكاثر كما لو كانت باقية في جسم الحيوان.
3- أنه يمكن قياس نموها وتكاثرها ومعرفة ارتباطها بالغذاء الذي يقدم لها.
4- لا تأثير للزمن أي أنها لا تشيخ وتضعف بمرور الزمن بل لا يبدو عليها أقل أثر للشيخوخة تنمو وتتكاثر هذه السنة كما كانت تنمو وتتكاثر في السنة الماضية وما قبلها من السنين.
ولكن لماذا يموت الإنسان؟ ولماذا نرى سنينه محدودة لا تتجاوز المائة إلا نادراً جداً؟ الجواب: أن أعضاء الإنسان كثيرة مختلفة وهي مرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً محكماً حتى أن حياة بعضها تتوقف على حياة البعض الآخر فإذا ضعف بعضها أو مات لسبب من الأسباب مات بموته سائر الأعضاء ناهيك بفتك الأمراض الميكروبية المختلفة وهذا مما يجعل متوسط العمر أقل جداً من سبعين والثمانين . . . وغاية، ثبت الآن العمر أقل جداً من سبعين أو الثمانين أو مائة أو أكثر بل لأن العوارض تثاب ببعض تموت كلها فإذا استطاع العلم أن يزيل هذه العوارض أو يمنع فعلها لم يبق مانع يمنع استمرار الحياة مئات من السنين" (المهدي ص 136-132).
وعلى أساس هذا فإنه بعد أن علمنا بعدم المانع من طول العمر فلا إشكال إذن في أن يمن الله القادر تعالى بحفظه على إنسان ويبقيه آلاف السنين وذلك لأن تنظيم وتحقيق الشروط التي تؤدي إلى طول العمر، كل ذلك بيده تعالى وهو تعالى، يستطيع أن يوجد نظاماً حاكماً ومقدماً على النظام العادي وذلك كما فعل في إجراء كل المعاجز، فإن كل معاجز الأنبياء كصيرورة النار برداً على إبراهيم، وتحول عصى موسى إلى ثعبان، وإحياء الموتى لعيسى وغيرها كانت قد تمت على أساس خرق العادة المألوفة حيث أن الله تعالى أوجد نظاماً آخر بقدرته ما انتج حصول المعجزة، وأن جميع المسلمين بل اليهود والنصارى ليصدقون بتلك المعاجز، فلا يبقى الحالة هذه أي إشكال في طول عمر الإمام المهدي (ع) وذلك لأن الحكم بعد إمكانه لا يمكن قبوله بعد تصريح القرآن الكريم بطول عمر نوح (ع) ورؤية نتائج المكتشفات العلمية الحديثة، وإذا قيل لنا أن هذا الأمر ممكن لكنه يجري على خلاف النظام المألوف وجب أن نقول في الجواب قلنا لا مانع في أن يكون طول عمر الإمام خلافاً للمألوف المعتاد بعد أن كانت كل معاجز الأنبياء تجري هذا المجرى بقدرة الله تعالى ووقوع المعاجز لا يحصل في ذهنه أي إشكال في مسألة طول عمر الإمام (ع).
غيبة الإمام المهدي:
كان النبي الأكرم (ص) يذكر الإمام الثاني عشر للأمة بين الحين والآخر وقد ذكر الأئمة الأطهار بهذه المسألة دائماً. وقد كان لكل ذلك التذكير المتواصل بغيبة الإمام أثر في جعل كل إنسان معتقدٌ بالإمام المهدي معتقداً بطول عمره (ع) وهذه نماذج من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المجال:
1- قال رسول (ص): "والذي بعثني بالحق بشيراً ليغيبن القائم من ولدي بعد معهود له مني حتى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجة ويشك آخرون في ولادته فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه ولا يجعل للشيطان عليه سبيلاً بشكه فيزيله عن ملتي ويخرجه من ديني فقد أخرج أبويكم من الجنة من قبل وأن الله عز وجل جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون" (اثبات الهداة ج6 ص 386).
2- وقال أمير المؤمنين (ع): "للقائم منا غيبة أمدها طويل كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه، ولم يقس قلبه بطول غيبته إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة ثم قال: إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه" (اثبات الهداة ج6 ص 395 - 394).
3- وروى محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: "إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها" (اثبات الهداة ج6 ص 350).
4- ويقول العلامة الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان متحدثاً عن أخبار الغيبة "وخلدها المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر و الصادق (ع) . . . ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة الحسن بن محبوب الزراو وقد صنف كتاب المشيخة . . . ذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة ومنها ما عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له كان أبو جعفر يقول: "لقائم آل محمد غيبتان واحدة طويلة والأخرى قصيرة، قال: فقال لي: نعم يا أبا بصير أحدهما أطول من الأخرى" (اعلام الورى ص 416).
ويتوضح في هذا أن الرسول (ص) والأئمة (ع) أخبروا بوجود الإمام المهدي (ع) أخبروا بأن الإعتقاد بوجوده يصحبه الإعتقاد بغيبته، ينقل الشيخ الصدوق عليه الرحمة عن السيد الحميري قوله: "كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي - ابن حنيفة - قد ضللت في ذلك زمانا فمن الله علي بالصادق جعفر بن محمد وأنقذني به من النار وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله علىّ وعلى جميع أهل زمانه وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته وأوجب الإقتداء به فقلت له: يا بن رسول الله قد روى لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال عليه السلام: "إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان . . ." (كمال الدين ص 33).
لماذا الغيبة:
إن وجود الإمام (ع) ووصي النبي (ص) أمر ضروري لجهات عديدة منها رفع الخلافات، وتفسير وتوضيح القوانين الإلهية والهداية المعنوية الباطنية وغير ذلك وأن الله تعالى برحمته جعل الإمام أمير المؤمنين (ع) وبعده أحد عشر إماماً من أبنائه واحداً بعد الآخر أوصياء للنبي (ص) وأئمة للأمة ومن الواضح أن مهمة الإمام صاحب الزمان تشبه من حيث تمام جوانب الإمامة وظائف الأئمة الآخرين (ع)، وأنه لو لم تكن هناك موانع فإن عليه أن يظهر للناس لكي يستفيدوا منه، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا كان غائباً منذ بدء حياته؟
وتكمن الإجابة على هذا السؤال في أن الإعتقاد بحكمة الله تعالى يجعل من غير اللازم أساساً نعرف فلسفة الغيبة بعد أن ثبتت ثبوتاً قاطعاً لا شك فيه، فلا يضرنا مطلقاً إذن أن لا نعرف علة الغيبة وذلك شبيه بتلك الموارد الكثيرة التي لا نعرف وجه الحكمة فيها، وإنما يكفينا فقط أن يثبت لدينا بالروايات الصحيحة والبراهين القوية أن الله العظيم أرسل حجته إلى الأمة ولكن كانت هناك بعض المصالح التي استدعت أن يبقى وراء ستار الغيبة ويبدو من بعض الروايات أن السبب الأصلي للغيبة سيعرف بعد ظهوره (ع) يقول: "إن لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها يرتاب منها كل مبطل فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم قلت فما وجه الحكمة في غيبته، قال: وجه الحكمة في غيبة غياب من تقدم من حجج الله تعالى ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (ع) لموسى عليه السلام إلا بعد إفتراقهما، يا بن الفضل إن هذا الأمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله ومتى علمنا أن الله عز وجل حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف" (اثبات الهداة ج6 ص 438).
على أنه يمكننا أن نعد للغيبة بعض الفوائد التي قد تكون بعض الأخبار قد أشارت إليه ومنها:
1- إمتحان الأمة:
فإن إحدى فوائد غيبة صاحب الزمان هي امتحان الناس ليظهروا على واقعهم فتنكشف الفئة التي استبطنت السوء وعدم الإيمان، وتبدو ظاهرة متميزة عن الفئة التي تمكن الإيمان من أعماق قلوبها وراح يزداد ويتعمق بانتظارها للفرح وصبرها في الشدائد واعتقادها بالغيب، وبازدياد الإيمان ترتفع قدرها وتحصل على درجات عالية من الثواب.
يقول الإمام موسى بن جعفر (ع): "إذا فقد الخامس من ولد السابع من الأئمة فالله في أديانكم لا يزيلنكم عنها أحد يا بني أنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به إنما هي محنة من الله امتحن الله بها خلقه" (بحار الأنوار ج52 ص 113).
2- حفظه (ع) من القتل:
إن ملاحظة تاريخ الأئمة (ع) والجور الذي توجه إليهم من قبل خلفاء بني أمية وبني العباس، ترشدنا إلى أن الإمام الثاني عشر لو كان ظاهراً فإنه سيقتل لا محاله كما قتل آباؤه من قبل، وذلك لأن الأعداء والسلطة الجائره كان قد انتهى إلى سمعها أنه سيظهر شخص من أهل بيت النبي (ص) من ولد علي وفاطمة سلام الله عليهما، يحطم عروش الظالمين المستبدين وأنه ابن الإمام العسكري (ع)، لذا فإن العباسيين لم يدخروا وسعاً في تقصي أخبار هذا الإمام ولكن الله تعالى سلمه من كيدهم وخيب آمالهم.
ينقل زراره عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: "إن للقائم غيبة قبل ظهوره قلت: لم قال يخاف القتل" (منتخب الأثر ص 269).
3- لئلا تكون في عنقه (ع) بيعة لأحد:
فهناك بعض الروايات تؤكد هذا المعنى وأن غيبته (ع) حفظته من بيعة الظالمين والحكام الغاصبين، وأن سيظهر حين يظهر وليس لأحد بيعة في عنقه، فيظهر الحق عياناً وبلا أي مداربه ويقر في الأرض حكم القسط والعدل.
يقول الإمام الصادق (ع): "يقوم القائم وليس لأحد في عنقه بيعة" (اثبات الهداة ج 6 ص 436).
فوائد وجود الإمام الغائب (ع):
قلنا - سابقاً - بأن الله تعالى عين الإمام المهدي (ع) لكي يهدي الناس إلى الحق ولكن الناس أنفسهم هم الذين منعوه (ع) من تنفيذ هذه المهمة، ومتى ما كان الناس أنفسهم مستعدين للسير نحو الحكومة الإلهية العالمية الموحدة القائمة عل أساس من العدالة الواقعية ورعاية الحقائق والواقع، وتطبيق كل أحكام الإسلام بلا أي خوف أو تقية، فإنه (ع) سيظهر.
إذن ليس هناك من جانب الله الرحيم تعالى أي تقصير في مجال العناية والرحمة، بل إن تقصير الناس أنفسهم هو الذي أوجب غيبة الإمام وتأخير ظهور هذه الحكومة العالمية، ولكنا يجب أن نعلم أن فوائد وجود الإمام لا تنحصر بالإرشادات والهداية الظاهرية أن كان بين الناس، بل أن هناك فوائد أخرى من حيث (التكوين والتشريع ) تترتب على وجوده وإن كان غائباً عن الناس.
وإن أهم فوائد وجوده (ع) هو كونه (واسطة في الفيض) وذلك لأنه طبقاً للأدلة في مجال الإمامة، توضح أن الرابطة بين العالم والخالق تنقطع بعدم وجود الإمام، وذلك لأن تمام أنواع الفيض الإلهي أنما تنزل على الناس بواسطة الإمام وقد ورد مضمون الحديث التالي في أحاديث كثيرة وهو "لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت" (اصول الكافي ج1 ص 178 طبع الآخندى).
نعم إن الإمام هو قلب عالم الوجود وقائد البشرية ومربيها ومن هذه الزاوية، فإن وجوده ظاهراً أو غائباً لا يفترقان بالنسبة إلى مركزه.
هذا وإن الهداية المعنوية للإمام (ع) بالنسبة للأفراد و اللائقين لذلك هي هداية متصلة وإن لم يستطيع هؤلاء أن يروه (ع) خصوصاً وأنه ورد أنه يتردد على مجالس الناس ومحافلهم وإن لم يكونوا يعرفونه.
وعلى هذا فإن صيانة الإمام للدين وهداية الأناس هما أمران حاصلان بتمام المعنى في زمان الغيبة.
إن الإمام في الحقيقة كالشمس التي يغطيها السحاب تستمد الخلائق منها النور والحرارة كان الجهال والعمى ينكرونها.
وهذا هو الإمام الصادق (ع) يجيب على سؤال عن كيفية استفادة الناس من الإمام الغائب بأنهم ينتفعون "كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب" (منتخب الأثر ص 271).
وهنا لا بأس من ملاحظة ما يقول أحد المستشرقين (الدكتور كربن استاذ الفلسفة في جامعة السوربون) بهذا الصدد " أعتقد أن مذهب التشيع هو المذهب الوحيد الذي احتفظ دائماً بوجود رابطة الهداية الإلهية بين الله والخلق وجعل رابطة الولاية حية قائمة بشكل مستمر.
إن المذهب اليهودي ختم النبوة وهي رابطة واقعية بين الله والإنسان بموسى ولم يذعن بعد ذلك بنبوة السيد المسيح والرسول محمد (ص) وقطع تلك الرابطة وهكذا المسيحيون الذين ختموا النبوة بالمسيح وهكذا أهل السنة عندما قطعوا الرابطة بالرسول الأكرم (ص) ومع ختم النبوة به (ص) فهم لا يقيمون الترابط بين الخالق والمخلوق.
ولكن مذهب التشيع لوحده هو الذي يعتقد بختم بالرسول محمد (ص) ولكن الولاية وهي رابطة الهداية والتكميل ستبقى حية وإلى يوم القيامة . . . نعم إن قيام هذه الحقيقة بين العالم الإنساني والإلهي إلى الأبد إنما هو في مذهب التشيع وحسب" (الكتاب السنوي "مكتب تشيع " السنة الثانية ص 20 – 21).
الخاتمة:
إن الاعتقاد بالإمام المهدي (ع) يعني أن ارتباط الناس بعالم الغيب لم ينقطع وأن من يعتقدون بذلك يجب أن يتذكروا الإمام دائماً وينتظروا ظهور ذلك المصلح الغيبي العظيم وطبيعي أن انتظار الإمام المهدي (ع) لا يعني أن يتخلى المسلمون والشيعة عن مسؤولياتهم ولا يقوموا بأي خطوة في سبيل تحقيق الأهداف الإسلامية ويكتفوا بمجرد استظهاره (ع) بل الأمر على العكس من ذلك تماماً كما صرح به العلماء الكبار وباحثوا الشيعة منذ مئات السنين بأن المسلمين والشيعة عليهم - مهما كانت الظروف - أن يعملوا على نشر المعارف الإسلامية وإقرار الأحكام الشرعية وأن يصمدوا في وجه الظلم والذنب والانحراف ويعارضوه بما يمكنهم. وبعبارة أخرى فإن عليهم أن يعملوا على تهيئة الأرضية المساعدة لقيام حكومة العدل فيربوا الأفراد والمجتمع حتى يكون بنفسه مجتمعاً يسعى نحو الحق وإذا كان الظلم هو الحاكم في المجتمع فإن عليهم أن يعترضوا عليه ويعرضوا عنه، إن على كل مسلم أن يضحي في سبيل الإيمان والإسلام وأن يكون مستعداً في كل آن لاستقبال دعوة الإمام المهدي (ع) وذلك بأن ينظم حياته بشكل لا يتناقض مع دعوته (ع) لكي يكون مؤهلاً للانخراط في سلك أتباعه وأنصاره ويقارع أعداءه بكل ثبات.
المصدر: شبكة محبي وأنصار الإمام المهدي (عجل الله تعالي فرجه الشريف)