> : AL - Hadj  Library: <
1القرآن والحج
2الحج في السنّة الشريفة
3فقه الحج
4 مفاهيم الحج والدروس المتعلقة به
5حوار ولقاءات ورسائل
6الحج والتأريخ
7شخصيات من الحرمين الشريفين
8الحج في الأدب العربي
9المعالم الإسلامية
10الفهارس والمعاجم
11شبهات وردود
12العقيدة الاسلامية
13مناسک الحج
14الوحدة الاسلامیة
15مجلة ميقات الحج

   مجلة ميقات الحج

   السنة السادسة ـ العدد الثاني عشر ـ 1420هـ  .

الإمام الخميني(رحمه الله) والحج

كفاح الحداد

}وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود* وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجٍّ عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير* ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق{(97) .

وممّا ورد في خطبة الزهراء(عليها السلام):

فجعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك والحجَّ تشييداً للدين(98) .

عن الإمام الصادق(عليه السلام): لو عطّل الناس الحجّ لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحجّ إن شاءوا وإن أبوا . فان هذا البيت انّما وضع للحجّ(99) .

وفي البحار عن الخصال الأربعمائة قال أمير المؤمنين(عليه السلام): الحجّ جهاد كلّ ضعيف(100) .

المقدّمة

الحجّ هو الهجرة إلى المحبوب ، وهو رحلة الفرد إلى الله تعالى . . رحلة مادية عبر السفر إلى بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس وأمناً . . . ورحلة معنوية عبر هجر الأهل والأحباب والشوق إلى لقاء الله وتجديد البيعة عند بيته العتيق . . وشاءت الإرادة الإلهية أن تكون هذه الدعوة السماوية المسبوقة بالأذان هي رحلة المسلمين من كلّ الأمصار والأقطار والألوان والوجوه . . رحلة جماعية تتوافد فيها الجماعات الإنسانية المختلفة اللغات والقوميات ليكون الحج ملتقى لهم . . ولم يدعُ تعالى }الذين آمنوا{ فقط لأداء هذه الفريضة الإلهية بل إنه دعا الناس جميعاً إلى بيته }ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً{(101) .

ليكون هذا التجمّع البشري الإسلامي المصغّر عن الاُمّة الإسلامية العظيمة }كنتم خير أمّة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله{(102) ; مؤتمراً لتجديد البيعة وإحياء ذكريات انطلاقة الإسلام الأولى في واد غير ذي زرع .

وعلى هذا فالحج هو أروع وسيلة تربوية تتناسب فيها الأقوال والأفعال والذكريات والمتاعب مع أيّام الله وبيت الله ليعود الحاج إلى وطنه مغفوراً له مشحوناً بشحنات الدين والجهاد ومملوءاً بالعزيمة والقوّة; ليكون ثورة على الاستكبار والطواغيت .

الحج مدرسة روحية ومحطّة تربوية لتربية الفرد على الطاعة والتسليم وتقوية الشعور بالعزّة والقوّة عن طريق شدّ العلائق مع مصدر القوّة الأصلي وهو الله تعالى . . وللحج منافع وفوائد ـ كأي فريضة عبادية اُخرى ـ نذكر منها الشيء اليسير:

أوّلاً: ـ الحج يمهِّد للقاء المسلمين من مختلف أرجاء المعمورة ، وهذا اللقاء يتيح لهم التواصل وتقوية العلاقات بعضهم مع بعض ، ودراسة أوضاعهم السياسية والاجتماعية والعالمية والتباحث في إيجاد الحلول لمشكلاتهم المختلفة ، فالموج البشري الذي ينطلق من الميقات المحدّد لمسيرته نحو الكعبة مع فوران القلوب واهتزاز الروح; ليلتقي حول البيت الحرام كالأنهار التي جاءت من مصادر عديدة; لتلتقي عند البحر الكبير مع رحمة الله تعالى المطلّة على هؤلاء الذين جاءوا متعلّقين بأستار بيته طلباً للرحمة والغفران .

وقبل الميقات كان الكثير منهم يعيش حالة التفاخر والرفعة والكبرياء ، ويجادل بعضهم بعضاً ويخشى الضعيف منهم بطش القوي ، ومع انطلاقة الميقات تغيب كل هذه الصور ، فهي المساواة المطلقة وهي الأمان المطلق عند البيت الآمن ، وهي تجاوز كلّ صنوف التوتر الأخلاقي التي قد تزيد العداوة والبغضاء بين المسلمين . . ولعلّ هذا هو ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: }وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً{(103) .

والمثابة هي المحل الذي يثوب إليه الناس ويرجع إليه المسلمون . . وإذا أردنا أن ندرج بعض فوائد هذا المؤتمر الإسلامي العظيم فنقول:

1 ـ ان الحج يؤدّي إلى اجتماع المسلمين والتعارف فيما بينهم ، وهذا التعارف هو من أهداف رسالة الإسلام ودعوة الأنبياء }يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر واُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم{(104) .

2 ـ المساواة المطلقة بين الجميع: الغني والفقير والأسود والأبيض والقرشي والهندي . . من خلال طوافهم حفاةً حول الكعبة ، ومن لباسهم البسيط البعيد عن كلّ أشكال الزينة .

3 ـ إنّ الحرم هو عينة صغيرة لنموذج الحياة المنشودة في الإسلام ، الحياة الآمنة المطمئنة التي يأمن فيها الإنسان على دمه وماله وعرضه ، وهذا الشعور الأمني هو بغية الإنسان في كلّ مكان خاصة في وقتنا الحاضر إذ يعصف التيّار اللاأمني بالناس جميعاً ، فترى التوتر والقلق والخوف يسيطر على البشرية كلّها(105) . . والفرد يعيش هواجس الخوف من أخيه وصاحبته وبنيه ودوماً تتطاير في السماء نذر الحروب والقتل والدمار خصوصاً للمسلمين . . ولكنه في مكة لو رأى قاتل أبيه لما تعرّض له بل إنه لا يسحق النملة ولا يصطاد الطيور; لأنه ليس الإنسان لوحده يعيش الأمن والأمان ، بل حتى الطيور والحيوانات ، وتكاد تكون صفة الأمان هي مرتجى البشرية الحاضرة .

4 ـ الحج الذي هو مؤتمر إسلامي كبير يربي عند الإنسان المسلم الشعور الديني والانتمائي بأنه جزء من أُمّة كبيرة ، وهو واحد من الجموع المليونية الموحّدة لله والمتناثرة في الأصقاع ، وهؤلاء الطائفون حول الكعبة هم صورة مصغّرة لتلك الاُمّة العظيمة . . والحاج يؤدّي مناسكه من طواف وسعي ووقوف عند المشعر وعرفات والذبح يؤدّيها جماعة مع الآخرين ، بل إنّ القرآن الكريم ليدعو الحاج إلى أن لا  يفيض بمفرده إنّما من حيث يفيض الناس }ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم{(106) .

فالحج حركة إلى الله ، ولكن من خلال الانصهار في الناس والتعامل معهم على مبنى أخلاقي بعيد عن الجدال والفسوق }فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج{(107) ولا يستطيع أي مؤتمر عالمي أن يحقّق شيئاً ممّا يحقّقه مؤتمر الحج للمسلمين(108) .

ثانياً: ـ الحج رحلة للإبحار في عالم الزمان والمكان . . إلى الماضي العزيز الراسخ في النفوس . . وهو انطلاقة إلى تلك الربوع السامية التي مازالت تحكي للعالم على مدى آلاف السنين قصة الإسلام العظيم والفداء الكبير ، فهذا الذي يطوف حوله الحجيج هو بيت الله أوّل بيت وضع للناس }إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدًى للعالمين * فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً{(109) .

ومع تأمّل البيت تتجدّد ذكريات إبراهيم(عليه السلام) الذي بنى الكعبة بأمر منه تعالى ، وحينما أكمل البناء تراه يتوسّل هو وابنه بالله تعالى أن يتقبّل عملهما }وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم{(110) .

ليكون درساً عظيماً في التواضع أمام الله والرجاء دائماً بقبول الأعمال ، فهذا إبراهيم الخليل(عليه السلام) يرجو قبول أعماله ، فكيف بالإنسان العادي الذي يجب أن يكون طموحه هو قبول حجّه ومناسكه؟

وهناك ذكريات الإسلام الاُولى التي انطلقت من جوار الكعبة ، فهناك غار حراء الذي كان يلجأ إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله)ليتلقى الوحي ويناجي ربّه ، وهناك شعب أبي طالب الذي حوصر فيه المسلمون ثلاثة أعوام كاملة حتى أكلوا تراب الأرض ، وبين الصفا والمروة تتجدّد صورة سعي هاجر لينبثق الماء من زمزم ، ويكون باقياً مدى الدهور لإرواء الحجيج ، إنّ هذه كلّها تجعل المسلم يطير في اُفق جديد ، اُفق العقيدة التي لاقت الصعوبات الجسيمة حتى أصبح هو مسلماً ، ولا زالت كلمات الرسول(صلى الله عليه وآله)وأقواله واضحة جلية على كلّ التلال . . وهذه كلّها تشدّ المسلم إلى تأريخه العظيم وإلى رسالته ، فالتاريخ مدرسة الإنسان . . وقد نحتاج إلى هذا الربط في وقتنا الحاضر بعد أن حاول أعداء الإسلام تشويه تاريخنا العظيم لإزالة الفكرة الدينية عند المسلمين .

ثالثاً: ـ تحرير الذات الإنسانية من عبودية الهوى واتباع الشهوات .

هذا الأمر الذي يبدأ من هجر الاخلاّء والأصحاب والأولاد والسفر إلى لقاء الله . وفي مظاهر الحج تلغى أشكال الزينة والترف والتفاخر والتعالي ، وتنطلق دعوة جديدة للإنفاق على الفقراء من خلال تقديم الهدي . . وإذا درسنا شعائر الحج لوجدناها رحلة لاجتياز الأنا . . فالحج ينزع الأهواء عبر الميقات الأوّل ولبس ثياب الإحرام ونزع كل زينة والتجرّد عن كلّ تعلّق دنيوي . الحج يعلِّم الإنسان أن يكون طوافه حول الله ، وأن تكون نيّته خالصة لوجهه تعالى ، ويسعى لتكون مسيرته نحو الله تعالى . . والسعي بين الصفا والمروة يُعلِّم الفرد كيف ينطلق نحو تحقيق الخير بسرعة ونبذ الخمول والتقاعس ، وبهذا ينطلق ضمن الدائرة الحركية الرافضة لكلّ أسباب القعود والتباطؤ }فضّل الله المجاهدين على القاعدين{(111) وليقتدي بالعائلة الإبراهيمية التي عانت الكثير لتكون حياتها سلوكاً يُقتدى به على مرّ الأجيال .

إّن الحجّ مسيرة تكاملية ترفض الأنا وتجمد الشهوات; كي ينطلق الفرد في رحاب التوحيد الإلهي نابذاً كلّ مظاهر الشرك الخفي والبائن ، وهو بهذا يربّي الفرد على كثير من المعنويات الروحية ، التي لا تستطيع آلاف المجلّدات والكلمات الوصول إليها .

عقبات أمام الحج الإبراهيمي

لقد عمد الاستكبار العالمي من خلال غزوه الفكري للبلاد الإسلامية ، الذي كان أقسى وأشدّ عليها من الغزو العسكري . . عمد إلى تشويه صورة الشعائر الإسلامية وإماتتها وتحويلها إلى شعائر جوفاء لا روح فيها ، وبذلك تفقد هدفها الذي شُرِّعت من أجله ألا وهو تربية الإنسان المسلم وتوحيد الاُمّة الإسلامية وجمع صفوفها . . ووضع أمام الحج الصحيح عقبات وتشويهات كثيرة منها:

1 ـ عدم فهم الحاج لشعائر الحج ومناسكه والمنطلقات التي تهدف إليها ، وهذا جاء عبر الترويج بأنّ الهدف هو إكمال المناسك بأسرع وقت كي يحلّ له ما حرّم عليه وقت الإحرام . . ولهذا يطوف الحاج ويسعى بين الصفا والمروة وهو لا يفهم لماذا هذا الطواف؟ وما أهمية السعي والهرولة بين الجبلين؟ وبهذا فهو يؤدّي عملاً فارغاً ليس له أي مدلول تربوي أو روحي ، وقد يهمّه أن يحمل لقب الحاج للتفاخر على الآخرين وينسى }إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم{(112) .

2 ـ فصل الدين عن السياسة . . فما  لله لله وما لقيصر لقيصر . . وأصبح الدين بعيداً عن السياسة بل إننا نرى أنّ الكثير من المسلمين ـ مع الأسف ـ يرون في تدخّل علماءالدين في شؤون السياسة تدخّلاً فيما لا يعنيهم .

لقد كان لهذه الفكرة الاستعمارية آثار سيئة ووخيمة للغاية منها: دخول المبادئ الوضعية والكافرة والملحدة إلى البلاد الإسلامية واحتلالها قاعدة التشريع; لتكون قوانينها هي النافذة ، ففي كثير من البلاد الإسلامية نجد التباين في أحكام الزواج والطلاق والإرث مع الشريعة الإسلامية مع أن آ«حلال محمّد(صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامةآ» . . وهذا أدّى إلى فقدان الإنسان المسلم لاعتزازه بدينه كدين وعقيدة قادرة على الإدارة والحكم ، وأصبح المسلم يرى الإسلام (أساطير الأوّلين) وهذا الفصل بين الدين والسياسة جعله يلتمس المبادئ التشريعية الوضعية التي أسقطته في دائرة الشرك ، والابتعاد عن الله وعن الإسلام كالمبادئ الشيوعية والعلمانية وغيرها .

3 ـ في كثير من الدول الإسلامية نجد محدودية سن الحجيج وعددهم ، ومع الأسف فكثير من الدول لا تسمح للشباب بالذهاب إلى مكة وأداء فريضة الحج ، وتضع معدّلاً للأعمار قد يتجاوز الخمسين أو الستين سنة حينما يصبح الفرد عاجزاً مريضاً كبيراً غير قادر على التجاوب مع معطيات الحج وأهدافه ، في الوقت الذي اعتنى(صلى الله عليه وآله)بالشباب وأوصى بهم آ«أوصيكم بالشبان خيراً فإنهم أرقّ أفئدةآ»(113) .

والأمر الآخر هو تقليل الحصص في بعض الدول إلى عدد قليل ، خاصة إذا كانت الحكومة معادية للإسلام ، فلا تسمح سوى للعجائز والشيوخ ورجال الاستخبارات بالذهاب إلى الحج ، ومعنى هذا أنّ الأغلبية المسلمة محرومة من أداء هذه الفريضة ، وإنّما هي تعمد إلى هذا الأمر كي لا يحتك المسلمون بغيرهم من بلدان الشعوب الاُخرى ، وكي يبقى التصوّر بأن الحج هو فريضة العجزة .

4 ـ لقد تحوّلت مكة إلى سوق عالمي تُعرض فيه البضائع من كلّ الأشكال والألوان والدول(114) ، ونجد الحاج يعيش آفاق التفكير فيما سيشتري قبل وأثناء الحج . وبعض منهم يقضي وقتاً طويلاً ـ خاصّة النساء  ـ في التجوّل في الأسواق ناسين أنها أيام معدودات قد لا تعود مستقبلاً ، وأنّ الأفضل أداء المناسك وإكمالها ثم الانتقال إلى الأسواق . . لقد وجدتُ اُناساً نزلوا إلى السوق قبل أن يفكّوا إحرامهم باتمام مناسكهم ، وهذا معناه عمق التفكير المادي الذي زرعته الحضارة الغربية في نفوس أبنائنا ، علماً بأنّ هذه البضائع لكلّ الدول ومنها الدول الموالية لإسرائيل ، والتي تجد في سوق مكة خير سوق للربح العظيم ، لتشتري بتلك الأموال السلاح وتقدّمه عوناً لإسرائيل . . كي تقضي به على المسلمين .

إنّ الحج الغربي أو الحج الأمريكي والذي يجعل الحج مجرّد سفرة سياحية للترف والنزهة ، والذي هو أصبح سجية الكثير من الحجّاج المسلمين بسبب التضليل الإعلامي الديني . . إنّ هذا الحج يصادر أهداف الحج السامية ، فلا هو مؤتمر ديني ولا هو تربية روحية ، ولا هو انبعاث جديد للمسلمين وشحنهم بالقوّة ضد الطاغوت . . وبهذا أصبح خالياً من المنافع السياسية والفكرية والروحية التي أشارت إليها الآية الكريمة:

}وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجٍّ عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات . . .{(115) وأصبح قصراً على المنافع الاقتصادية التي تخدم الاستكبار العالمي!!

الإمام الخميني(رحمه الله) والحجّ

آ«الحجّ يمثِّل مركز المعارف الإلهية الذي ينبغي أن يؤخذ منه محتوى السياسة الإسلامية في جميع الأبعاد الحياتيةآ»   الإمام الخميني(قدس سره)

لقد كان انتصار الثورة الإسلامية في إيران عاملاً في إعادة طرح النظرية الإسلامية إلى العالم أجمع بعد دهور عديدة من التزييف والتضليل والتحريف . .

لقد أعاد انتصار الثورة الإسلامية في إيران إلى المسلم اعتزازه بالرسالة الإسلامية ، التي صوّرها الاستكبار العالمي على أنها شيء قديم لا ينفع (أساطير الأوّلين) وأنها غير صالحة لهذا الزمان ولا تواكب التطوّر الحديث . . وكثير من المفاهيم الإسلامية والفروض الإلهية التي تقوقعت تحت شراك الغزو الثقافي قد حاولت الثورة الإسلامية تصحيحها وتحريكها ، وكان لخطابات الإمام ونداءاته وكلماته الأثر الفاعل في ذلك ، فنحن لا نكاد نجد مناسبة إسلامية إلاّ وعالج الإمام الخميني ما فيها بالفكر الإسلامي القرآني الصحيح .

لقد بزغ فجر النهضة الخمينية بعد سنوات من التشويه الذي حاصرالدين وعلماءالدين . وكان هدف الإمام هو تحقيق أهداف المرء المسلم الذي طالما غيبته الحكومات الوضعية فسلبت شخصيته وهويته وتراثه; ليتسنى لها أن يبقى المسلم مقهوراً ضعيفاً لا يستطيع المقاومة أو الرفض ، وجاءت كلمات الإمام لتحتل مكانة واسعة في قلوب المسلمين وغيرهم ، الذين لفّهم العجب لهذا الرجل الكبير المجرّد من السلاح المادي ، والذي سحق عرش الطاغوت ليقيم دولة الإسلام .

ورغم ان العالم الإسلامي شهد خطابات ومفردات كثيرة ، لكنها لم تنفع في إعادة الحيوية إلى الشعوب المسلمة وتحرير عقيدتها من أسر الطاغوت والاستبداد . .

لقد كان لخطابات الإمام التأثير الفاعل على المسلمين بحيث أوجد عند الإنسان المسلم القناعة بأنّ عليه أن يفهم مفردات الإمام الجديدة كي ينطلق بحيوية وحركية أوضح إلى المجتمع . .

لقد سُئل السيد الخامنئي (دام ظلّه) عن السبب في تغلغل كلمات الإمام في النفوس فأجاب: آ«إنّ الإمام الخميني سلك الطريق نفسه الذي سلكه رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أجل إعادة الحياة إلى الإسلام وهو طريق الثورةآ»(116) .

لقد أيقن الإمام ان المفهوم الديني والسياسي الذي حقّق الانتصار على الإمبراطوريات القديمة وهزم الأحزاب ، لا يزال قادراً على هزيمة الجاهلية الجديدة المتمثِّلة اليوم بالحضارة المادية الغربية ، التي قوقعت الإنسان في إطار الشهوات والغرائز .

إنّ الإمام الخميني في خطابه الديني والسياسي الذي كان خطاباً دينياً قرآنياً في كلّ مفرداته ومفاهيمه ، باعتبار أنّ الإسلام دين كامل على الصعيد النظري والعملي ، ولا حاجة للمسلمين أن يتلقفوا مفردات ومفاهيم مستوردة من الثقافة الغربية . . وهو الخطأ الذي وقع فيه الكثيرون من العلماء المسلمين . .

ولهذا نجد أنّ لكلمات الإمام وخطاباته صدًى واضحاً على النفوس وعلى جميع المسلمين وغيرهم ، ولعل من الأسباب التي هيّأت لهذا:

1 ـ إطلالة الإمام الخميني(رضي الله عنه) في القرن العشرين ، الذي ظهرت فيه الكثير من النظريات المعادية للدين من قبيل (الدين إفيون الشعوب) وهو كعالم دين دعا إلى نبذ كلّ الطواغيت الأرضية والفكرية ، وعلى هذا فقد عادت صورة الإسلام إلى الظهور على الشاشة العالمية . . ولهذا جدّد النهضة الإسلامية .

2 ـ كان الإمام صورة للإسلام في التطبيق العملي ، فهو الإمام القائد الذي قهر امبراطورية الفرس العظيمة ، لكنّه رجل زاهد لم تأخذه الدنيا بزخارفها ، ولم يداخله الزهو بما حقّقه للعالم الإسلامي من عزّة وقوّة . . وبهذا جدّد صورة رسول الله(صلى الله عليه وآله)المربِّي الأوّل للانسان وللبشرية جمعاء ، ولعل توافق القول مع التطبيق والسلوك هو الذي جعل كلماته نافذة في القلوب الوالهة بهذه الصورة الجديدة .

3 ـ سهولة بيانات الإمام وشمولها . . فهدف الإمام هو إيصال الفكر الديني بأقصر طريق إلى أكثر عدد من المسلمين وغيرهم; ولهذا جاءت كلماته مفهومة واضحة ليس عليها غبار ، كما أنها كانت كلمات واسعة المضامين عالية المفاهيم ، ولعل نجاح الإمام(رحمه الله) في إحياء الخطاب الديني كان من العوامل المساعدة على تهافت الناس لتتبّع خطاباته ، وهذا جاء في الوقت الذي استطاع الاستكبار العالمي إيجاد هوة واسعة بين علماءالدين والناس حتى أوجدوا نفوراً منهم ، وكما يقول الإمام في إحدى خطاباته: إنّ سائق التاكسي كان يرفض حمل عالم الدين في سيارته . . فنقول إنّ الخطاب الديني عند الإمام كان طفرة واضحة في هذا القرن .

وكانت بيانات الإمام من البساطة والحركة بحيث يفهمها الاُمّي والمثقّف ويعمل بها . . يقول الإمام الخميني(قدس سره): الإسلام دينٌ عبادته سياسة وسياستُه عبادة . والآن إذ يجتمع المسلمون من شتّى بقاع الأرض حول كعبة الآمال; لحج بيت الله وللقيام بالفرائض الإلهية . . يتوجّب على المسلمين الذين يحملون رسالة الله تعالى أن يستوعبوا المحتوى السياسي والاجتماعي للحج إضافة إلى محتواه العبادي .

وبهذا أخرج الإمام العنوان الجديد آ«سياستنا ذات دينناآ» أخرجه من حيّز التنظير والجدل ، ومن دائرة الآمال والأحلام المسيطرة على مخيلة المسلمين إلى واقع الاداء والفعل . . فالمدرسة الإسلامية تحتوي على تصوّر شامل للكون وللحياة بكلّ أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية . . بل إنّ رسالة الإسلام انطلقت من المسجد . . يقول الإمام(قدس سره):

آ«لقد انطلقت منذ صدر الإسلام إلى اليوم كل الحركات من المسجد ، إنّ المسجد هو الذي أوجد القوّة الموحّدة ضد الكفّار والمشركين ، وأنتم المسجديون لابدّ من أن تبنوا المساجد على أساس الإسلام والحركة الإسلامية; لأجل قطع أيادي الشرك والكفر ، ولدعم المستضعفين ضد المستكبرين . فالمسجد كان محلّ الصلاة والقيادة والحكومة والإدارةآ» .

يقول الإمام(قدس سره):

آ«إنّ لفريضة الحج خصائص متميّزة بين كلّ الفرائض الإلهية ، ولعلّ الجوانب السياسية والاجتماعية لهذه الفريضة تفوق جوانبها الاُخرى مع أنّ لجانبها العبادي خصائص متميّزةآ» .

وقد أكّد الإمام الخميني على ضرورة الاستفادة من هذه المناسبات في سبيل تصحيح المفاهيم الخاطئة ، التي عشعشت في أذهان الناس ، ولإيجاد العلائق بين المسلمين كافة من خلال اجتماعهم في ذلك المؤتمر الكبير . . ولعل الإمام كان يرى ضرورة تزويد وشحن المسلم بالقوّة الكافية وإعطائه شيئاً من الجرأة من خلال انفتاحه مع اخوانه هناك ، وتبادله وجهات النظر حول الشؤون الإسلامية المتعدّدة . . يقول الإمام:

آ«علينا أن نستثمر موسم الحج ونجني منه أطيب الثمار في الدعوة إلى الوحدة والدعوة إلى تحكيم الإسلام في الناس كافّة . . المسلمون الأوائل كانوا يجنون من جماعاتهم وجمعاتهم وأعيادهم ومواقف حجّهم أحسن الثمارآ» .

ويقول في مكان آخر:

آ«على المسلمين الملتزمين الذين يجتمعون كلّ عام مرّة واحدة في المواقف الشريفة ، ويؤدّون واجباتهم الإسلامية في هذا التجمّع العام والحشد الإلهي بمعزل عن الامتيازات وبمظهر واحد دون اهتمام بما يميّز بينهم من لون أو لغة أو بلد أو منطقة وبأبسط المظاهر المادية وباندفاع نحو المعنوية والوفود على الله ، عليهم أن لا يغفلوا عن الجوانب السياسية والاجتماعية لهذه العبادةآ» .

3 ـ دعا الإمام(قدس سره) إلى ضرورة تفهم شعائر الحج وأسراره كي ينطلق الحاج لاداء الفريضة بوعي وهدفية أكثر تمكّنه من الوصول إلى ساحة القرب الإلهي .

يقول الإمام الخميني(رحمه الله):

آ«إنّ مكة المعظّمة والمشاهد المشرّفة هي مرآة الأحداث الكبرى لنهضة الأنبياء وبعثة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ورسالتهآ» .

ويقول أيضاً:

آ«إنّ الحضور في هذه المشاهد المشرفة والأماكن المقدّسة ، يجعلنا نتعرّف على مسؤوليتنا في المحافظة على مكتسبات هذه النهضة والرسالة الإلهية . . ويظهر لنا مدى استقامة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأئمة الهدى من أجل دين الحق وإزهاق الباطل ، وعدم مبالاتهم بالتهم والاهانات التي كان يوجّهها أبو جهل وأبو سفيان ومن لفّ لفّهم . . إنهم لم يستسلموا في أصعب الظروف حينما كانوا محاصرين أشدّ المحاصرة من الناحية الاقتصادية في شعب أبي طالبآ» .

يقول الإمام الخميني(رحمه الله) حول الطواف:

آ«إنّ الطواف حول بيت الله يعلمكم أن لا تطوفوا حول غير الله ، وأنّ رجم الشيطان رمز لرجم شياطين الإنس والجن . . حين ترجمون الشيطان عاهدوا ربّكم على طرد كل شياطين الإنس والقوى الكبرى من بلادكم العزيزةآ» .

إنه يعلِّم المسلمين أنّ هذه الشعائر ليست عملاً أجوف ، فمثلاً الطواف حول البيت يذكّر المسلم بالطواف حول الله تعالى أي أن تكون أعماله مقصودة لوجهه تعالى وتكون حركته منه وإليه ابتغاء مرضاته ، وبذلك يبتعد عن الشرك الظاهر والشرك الخفي . . وحتى رجم الشياطين تمنح الفرد المسلم القوّة والايمان لمواجهة شياطين الإنس والجن ، وإنّما ذكر شياطين الإنس كي يذكّر الجموع المسلمة أن الطواغيت الذين يطوفون حولهم هم أولى بالرجم من غيرهم .

ويقول الإمام في موضع آخر:

آ«إن كلمة لبيك التي تتلفّظون بها هي استجابة كبيرة وعميقة لدعوة الحق تعالى ، وبها تنفون صفة الشرك بجميع مراتبها ، وعليكم أن تشعروا بذلك أنفسكم ، وبها تهاجروا بأنفسكم التي هي منشأ الشرك الكبير نحو الباري جل وعلا . . وعندئذ تنالون أجركم وهو على الله تعالىآ» .

نعم إنه يؤكّد على أنّ هذه التلبية هي ليست ترديداً أجوف لكلمات واحدة ، بل إنها كلمات التوحيد المنبعثة من القلوب المهاجرة إلى الله الساعية إلى رضوانه ومحبته ، وحقاً ما أوسع البون بين من يردّد كلمات لا يتعايش بها ، وبين من يعيش العشق الإلهي فيناجي المحبوب في كلمات منبعثة من القلب المقرّلله بالذل والخضوع!

يقول الإمام(قدس سره) :

آ«ليس حجّاً هو الحجّ الخالي من الروح والحركة والقيام والبراءة والوحدة ، والحج العاجز عن هدم صروح الكفر والشركآ» .

4 ـ دعوة الإمام جميع المسلمين إلى المشاركة في مسيرة البراءة من المشركين .

يقول الإمام(قدس سره) :

آ«إنّ إعلام البراءة من المشركين يعتبر من الأركان التوحيدية والواجبات السياسية للحجآ» .

وقفة:

ممّا لا شك فيه أنّ التوحيد هو أساس العقيدة الإسلامية ، وهو المحور الذي تتفرّع منه حركة التاريخ الفاعلة المؤثِّرة في كلّ جوانب المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

ومن البديهي أنّ للتوحيد جانبين(117):

1 ـ الجانب النظري وهو الاعتقادي على مستوى الذهن والتفكير ، ويقوم على تطهير الفرد من التلوّث والشرك الفكري ، وبهذا يحافظ على حرم العقل من الخبائث النظرية .

2 ـ الجانب العملي وهو تجلّي آثار التوحيد النظري على الواقع العملي على حياة وسلوك وقيم الفرد والمجتمع .

ورغم أهمية الجانب النظري ، ولكن التوحيد إذا لم ينطلق إلى واقع الحياة ، ولم يكن له حضور في المسرح الحياتي ، فهنا يصبح تطبيق الشريعة أمراً صعباً مستصعباً ، ومعناه فتح الطريق والثغور أمام قوى الشرك الفكرية والتشريعية والعملية لغزو المجتمع من محطات الفراغ والضعف ، خاصة في المواضع التي يغيب فيها الفكر التوحيدي .

وعلى هذا فقد يكون واجب المسلم دوماً هو إقصاء الشرك عن معالم وقيم وأفكار المجتمع ، وتقويض سلطة الفراعنة والمتألهين والطواغيت الوثنيين ، الذين يرهبون الناس كي يخشوهم ولا يخشوا الله تعالى .

إنّ الشرك العالمي يسعى لتطويق دائرة التوحيد; لكي يستطيع التسلّط على الناس والثروات .

ولما كان الشرك مَعْلَماً من معالم الانحراف يشلّ المجتمعات عن التقدّم ، ويصادر حقوق المستضعفين والموحِّدين(118) ، فلابدّ من التصدّي لهذا الوجود سواءً على صعيد النظريات المطروحة أو على الصعيد العملي ، وهنا تظهر أهمية البراءة من المشركين كحركة سياسية اجتماعية حضارية تهدف إلى تربية المسلم على إنكار الشرك والتصدي لمحاربته .

يقول الإمام الخميني(قدس سره) :

آ«أي إنسان عاقل لا يدرك عبادة الأصنام الجديدة بأشكالها وأحابيلها وحيلها الخاصة ، ولا يعرف هيمنة معابد الأصنام ـ كالبيت الأسود الأمريكي ـ على البلدان الإسلامية وعلى أرواح وأعراض المسلمين والعالم الثالث؟!

إنّ صرخة براءتنا من المشركين والكفّار اليوم ، هي صرخة البراءة من الظلم والظالمين ، وصرخة اُمّة ضاقت ذرعاً باعتداءات الشرق والغرب وعلى رأسهم أمريكا وأذنابها ، وغضبت جراء نهب بيتها وثرواتها .

وربّ سائل يسأل ماذا تعني البراءة؟ هل تعني المخالفة اللسانية أم القلبية ، أم تعني الاستئصال لوجود هؤلاء المشركين؟

والحق أنّ البراءة تشمل كلّ هذه الأشكال ، وعلى الكل أن يعلن براءته بما استطاع إلى ذلك سبيلاً .

}وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه{(119) للوصول إلى الهدف المنشود وهو تطهير الأرض من الأصنام المرئية وتطهير القلوب من الأصنام الصورية ، لقد ألحّ الله تعالى على خليله حينما بنى الكعبة أن يطهّرها }أن لا تشرك بي شيئاً وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود{(120) .

وإبراهيم(عليه السلام) كان محطّم الأصنام:

}وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين{(121) .

وأوّل عمل قام به(صلى الله عليه وآله) حينما دخل مكة هو تحطيم الأصنام لتطهير البيت ، ولما كان القلب هو حرم الله تعالى فالأولى تطهير حرم الله من كل ألوان الشرك الظاهر بالتماثيل والأصنام المرئية وإزالة الأصنام القلبية سواء كانت أهواءً أو مطامع أو طواغيت أو رجساً ذاتيّاً يحول بين الفرد وسعيه إلى ربه ليدخل جنّتهآ» . وعلى هذا فمبدأ البراءة يرتكز على أمرين(122):

1 ـ ضمن حركة الفكر والاعتقاد أي ضمن الحرم الداخلي للإنسان ، وهو الذي يحافظ على نيّة العمل وعلى الهدفية في الحياة ويمهِّد لتحقيق الأهداف الكبرى .

2 ـ ضمن الحركة الخارجية وهو الإعلان للتصدّي من المشركين }إنّ الله بريء من المشركين ورسوله{(123) .

وعلى هذا فالمسلم لا يستطيع الإنطلاق إلى الدائرة التغييرية في المجتمع ما لم يعش مفهوم البراءة من المشركين قلباً ولساناً وفكراً وعملاً .

يقول الإمام الخميني(رحمه الله):

آ«إنّ إعلان البراءة في الحج هو تجديد العهد بالجهاد وتربية المجاهدين لمواصلة الحرب ضد الكفر والشرك وعبادة الأصنام ، وهو لا يقتصر على الشعارات بل يتعداها لتعبئة وتنظيم جنود الله أمام جنود إبليس وبقية الأبالسة ، والبراءة ، هذه تعتبر من المبادئ الأوّلية للتوحيدآ» .

ويقول أيضاً:

آ«إن إعلان البراءة هو المرحلة الاُولى من الجهاد ، ومواصلته هي من المراحل الاُخرى لواجبنا ، وأنه يتطلّب في كلّ عصر وزمان مفاهيم وأساليب خاصةآ» .

ورغم أنّ الصراع بين الشرك والتوحيد صراع أزلي ، ولكننا الآن نرى قيمومة كيانات الشرك والإلحاد في أرجاء المعمورة ، وهي تسعى سعياً مسموماً لتحطيم عقيدة التوحيد سواء بمحاربة الفرد الموحِّد أو الدولة الموحِّدة أو بنشر الفساد والرذيلة لإلهاء الناس بها أو التنكيل بالموحّدين . . ومشكلة الإنسان المسلم أنه بحاجة إلى تجديد الشعور بالقوّة والعزّة ، وبحاجة إلى استحضار الوعد الإلهي }كتب الله لأغلبن أنا ورسلي{(124) وبحاجة أيضاً إلى استحضار الشعور بالمعية مع الله ومع المسلمين ، وأنه ليس وحده الذي يخوض هذا الصراع ، بل هناك الملايين التي تشاركه هذه الأحاسيس النيّرة ، وعلى هذا فقد كان اختيار أيام الحج واختيار مكة المكرّمة ليكون التوقيت الزماني والمكاني متلائماً مع الغاية المنشودة .

يقول الإمام(رحمه الله):

آ«وأي بيت هو أفضل من الكعبة؟! البيت الآمن والطاهر لنبذ كلّ أشكال الظلم والعدوان والاستغلال والرق واللاإنسانية قولاً وفعلاً وتحطيم أصنام الآلهة تجديداً لميثاق }ألست بربّكم {وذلك إحياءً لذكرى أهم وأكبر حركة سياسية للرسول عبّر عنها القرآن بقوله }وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر{آ» .

إنّ التوقيت الزماني في أيام السفر إلى الله وفي أيام مباركة هجر فيها الحاج أسباب الدنيا وجاء متعلّقاً برحمته شاعراً بمسؤوليته ، والتوقيت المكاني الذي يشدّ المسلمين إلى أيام ظهور الدعوة الاُولى التي كان فيها المسلمون قلائل مستضعفين وإذا بهم يصبحون قادة للبشرية جميعاً نحو الخير والعزّة والكرامة ، إنّ هذا التوقيت ليشحن الفرد المسلم بأسباب القوّة والإرادة; ليعود الحاج إلى وطنه إنساناً آخر هو آ«ثورة على كلّ باطل وطاغوت وسعياً لبناء الذات والمجتمع ووعياً للحياة وتضحية في سبيل الأهداف وفي سبيل رضا اللهآ»(125) .

يقول الإمام:

آ«ليعرج الحجّاج الأعزاء من أفضل أراضي العشق والجهاد وأكثرها قدسية . . إلى كعبة أكثر رفعة حيث ينطلقون من إحرام الحج إلى إحرام الحرب ، ومن طواف الكعبة والحرم إلى طواف صاحب البيت ، ومن التوضؤ بزمزم إلى غسل الشهادة والدم ليتحوّلوا بذلك إلى اُمّة لا تقهر وبنيان مرصوص لا تستطيع معه القوى العظمى الشرقية والغربية الوقوف بوجهها . . .آ»

وعلى هذا يمكن إيجاز الهدف من إعلان البراءة على المشركين أيام الحج  بـ :

1 ـ تربية المسلم على رفض الطواغيت ، وافهامهم أن الطاغوت صورة من صور الشرك الواجبة التطهير .

2 ـ شحن المسلم بقدر من القوّة يؤهله للوقوف والمجابهة والرفض بعد أن استطاع الاستكبار العالمي أن يؤسره في دائرة الخوف من المواجهة .

3 ـ إشعار المسلم بأنه ليس وحده الذي يقف في المواجهة ضد شياطين الإنس والجن ، وإنّما هناك الملايين التي تشاركه وهو جزء من هذه الاُمّة المجاهدة .

4 ـ استمداد القوّة والإرادة من ذكريات الإسلام الاُولى التي يفوح شذاها في سماء مكة .

5 ـ إنذار المستكبرين بعظمة الإسلام وشدّة الصحوة الإسلامية ، التي ستدكّ حصونهم وقلاعهم يوماً ما .

6 ـ الإعلان عن الإسلام كدين سياسي اجتماعي .

7 ـ وبهذا تكون البراءة من المشركين . . المسيرة الرافضة لكلّ الأصنام ، والتي تنطلق من بيت التوحيد العتيق هي صورة من صور تصدير الثورة والمفاهيم التي حملتها إلى خارج حدود الدولة الإسلامية .

لقد استطاع الإمام(قدس سره) أن يخرج المسلمين من صورة الحج الأجوف . . الحج الأمريكي . . إلى الحج الإبراهيمي المحمّدي الذي يؤتي أكله كلّ حين بإذن  ربّه .