> : AL - Hadj  Library: <
1القرآن والحج
2الحج في السنّة الشريفة
3فقه الحج
4 مفاهيم الحج والدروس المتعلقة به
5حوار ولقاءات ورسائل
6الحج والتأريخ
7شخصيات من الحرمين الشريفين
8الحج في الأدب العربي
9المعالم الإسلامية
10الفهارس والمعاجم
11شبهات وردود
12العقيدة الاسلامية
13مناسک الحج
14الوحدة الاسلامیة
15مجلة ميقات الحج

   مجلة ميقات الحج

   السنة السادسة ـ العدد الثاني عشر ـ 1420هـ  .

وقفة مع مجتمع الحجّ

محمّد المدني

 

إنّ ما تعانيه اُمّتنا الإسلامية خاصة والمستضعفون بشكل عام من أشكال القهر والابتزاز في كلّ النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، من قبل الأنظمة الاستكبارية خصوصاً بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وما رافقتها من آثار وأوضاع جديدة سادت كثيراً من مناطق العالم وبالذات العالم الثالث الذي كان الضحية الرئيسية لنتائج تلك الحرب المدمّرة وما تلاها من عقد اتفاقيات على تقسيم النفوذ بين الدول المنتصرة . . وممّا انتهت إليه نتائج الحرب العالمية الثانية أيضاً ـ وكما هو متوقع ـ كانت شعوبنا الإسلامية هي الخاسرة بعد أن تسلّط عليها حكّام عملاء وأنظمة قاهرة ليس لديها ـ إلاّ السيف والمال ، فمن لم يرضخ لها بالمال فالسيف مصيره المحتوم . فتشتت فرقاً وأحزاباً وتضاعفت عليها الويلات وصودرت حرياتها وانتهكت مقدّساتها ، وما بقي شيء فيها إلا ونالته يد الضيم والقمع والتعسف والتشتت والتقسيم . . .

فراح النظامان الغربي والشرقي بوصفهما يشكِّلان القوّتين الرئيسيتين في العالم يحكمان سيطرتهما المباشرة أو غير المباشرة عبر عملائهما وعبر قوى سياسية أفرزها الواقع السياسي المداهن لها في المنطقة على كلّ الأمة الإسلامية والشعوب الإسلامية .

وفي الوقت الذي ظهرت ـ نتيجة ذلك كلّه ـ مدارس ومؤسسات وكتابات ومؤلّفات همّها دعم هذه الأنظمة المتسلّطة وتبرير وجودها بل وتسويقها ، ظهرت بالمقابل مدارس وحركات متنوّعة إسلامية ووطنية وأخرى قومية كان همّها الذي يؤرقها هو حماية شعوبها من ذلك الانحراف الجارف ، ومن ذلك القمع المتواصل والتشتت والتمزّق إرباً إرباً ، فقدّمت من أجل ذلك الكثير من الضحايا والقرابين في سبيل إبقاء الحالة خاصة الإسلامية بعيدةً عن الموت والانتهاء والفناء ، وكم حاولت هذه الحركات وبالذات الإسلاميّة أن تلملم جراحها العميقة التي تولّدت نتيجة صراعها المرير وغير المتكافئ قوّةً وعدداً مع الجهات الظالمة . وكم كانت الحركات الإسلامية والشخصيات الإسلاميّة جاهدة في قراءة وأسباب انحسار النظام الإسلامي عن الساحة السياسية . . وطرق عودته إلى هذه الساحة والعقبات والصعاب التي تواجه ذلك . .

وقد انبرى سماحة السيد الإمام لمعالجة ما تعانيه الأمة الإسلامية وشعوبها من فرقة وتناحر ، فرأى أن يجمع ما يمكن جمعه ، وأن يوقظ ما يمكن إيقاظه ، وأن يداوي ما يمكنه من جراحها الكثيرة ، فراح (رحمه الله) يضع الحلول ويستفيد من كلّ ما يمكنه من فرص متاحة لجمع شتاتها سواء أكانت هذه الفرص عبادية أو غيرها كالمؤتمرات والندوات والتجمعات ومن كلّ ما يتاح له من وسائل إعلاميّة وسياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة . .

فعلى مستوى العبادات راحت وصاياه وفتاواه تؤكّد على إقامتها جماعة فكانت صلاة الجمعة العبادية السياسية ، وكانت دعواته للمشاركة في الصلوات التي يقيمها أبناء الإسلام من المذاهب الأخرى . . كلّ هذا وغيره ليحقّق لهذه الأمة مجتمعاً إسلامياً وإن كان مصغّراً إلاّ أنه يبتغي من ورائه بناء مجتمع آخر أوسع منه وأكثر شمولاً ونفعاً ، مجتمع موحّد وبالتالي الحيلولة دون انهيار الأمة وقيمها ومحاولة شدّ أزرها لمقارعة الاستبداد والظلم من أي طرف حصل وبأي شكل كان ، فالظلم قطعاً يحول دون سمو الفرد وبالتالي يحول دون سمو المجتمع والأمة .

فالحج هذه الظاهرة الربّانية الاجتماعية جعلها الله تعالى مناسبة لأكبر وأعظم لقاء اجتماعي كبير يحتضن الآلاف من المسلمين من كلّ حدب وصوب ليشكّلوا مجتمعاً يكون نموذجاً مصغّراً لمجتمع كبير أفراده من }الذين آمنوا وعملوا الصالحات{ ويكون هذا المجتمع قائماً بالقسط }ليقوم الناس بالقسط{ وبالتالي ينتج أمّة }تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر{ ولتنبثق منه حكومة إسلامية تتصف بالعدل وتعمل به انطلاقاً من الآية الكريمة }إنّ الله يأمر بالعدل . .{ .

حقّاً إنّ مجتمع الحج مجتمع يدعوننا إلى التفاؤل والسعادة ويدعوننا أيضاً إلى أن نقول إنّ أمتنا بخير .

ولا أظنّ أحداً خاصّة ممّن وفّق لأداء هذه الفريضة المقدّسة ، أو كان ممّن اطّلع على خطاباتها وأحكامها الشرعية وأهدافها الساميّة وطريقة أدائها ، لا يشاركني في أنّ لفريضة الحج إطاراً آخر غير ما يترتّب على تطبيق أحكامها وأداء فعاليتها من إطار إنساني تفوح منه رائحة الإيمان وتسمو به روحيات المشاركين وأخلاقهم ، والإطار الذي أعنيه هو الإطار الاجتماعي بكلّ ما يتضمّن من أبعاد تربوية وسياسية وثقافية . . . تجعله يحمل نواة بقائه وديمومته وخلوده .

إن الهدف الأسمى للدين الإسلامي الحنيف هو خلق روحية اجتماعية ـ والإنسان اجتماعي بطبعه كما يقولون ـ تصبو لأن يكون كلّ تعاملها مع من حولها مبنياً على صفات نبيلة كالتآلف والتوادد والمحبة ممّا يولّد في نفوسنا جميعاً حاجة نفسية للاجتماع والاتصال بأجناس أخرى وشعوب متعدّدة تكون ساحة الحج ميداناً واسعاً وحقلاً خصباً لتواجدها وتلاقح أفكارها واستماع آراء الآخرين مهما كانت مخالفةً أو متقاطعةً .

فالحجّ إذن ـ إضافة إلى أنّه يستطيع الإنسان فيه أن يشبع ويروي حاجته النفسيّة وهو الانتماء الاجتماعي ، الانتماء إلى أبناء جنسه ، وظمأه الروحي ـ فهو مؤتمر تتجاذب الأفكارَ فيه كثيرٌ من الطوائف والقوميات والألوان; ليتم التعارف بينهما والانتفاع بثمار هذه الفريضة وما يترتّب على أدائها بشكلها الإبراهيمي المحمّدي من إيجابيات وفوائد جمّة يحمل الحجّاج أكثرها إلى حيث بلادهم وإلى أوطانهم وشعوبهم حتّى يكونوا دعاةً لها إذا رجعوا إليهم .

يخاطب السيّد الإمام الحجّاج بقوله: آ«اِحملوا من ربّكم نداءً إلى شعوبكم أن لا تعبدوا غير الله ، وأن لا تخضعوا لغيرهآ» ما أروعه من خطاب!

خاصة إذا كانت هذه الشريحة متميّزة بفهمها لأهداف هذه الفريضة وعارفة بأحكامها ، فإنّها ستترك بصماتها على باقي فصائل المجتمع الحاج من قوميات أخرى وشعوب أخرى وعادات ولغات مختلفة ، كما ستجيد نقل ما لمسته من آثار هذه الفريضة إلى قومها وستحسن تصويره لهم ، وبالتالي تُقتطف ثمارٌ أخرى خارج الحرم وبعيداً عن مكة والمدينة تضاف إلى ثمار ومنافع الحج }ليشهدوا منافع  لهم{ . . فتشدّ تلك الأقوام الرحال إلى منابع النور والعظمة إلى مكّة والمدينة ، وتتوجه إلى أهمية هذه الفريضة ودورها الإيجابي الكبير في التغيير الاجتماعي بل والفكري والثقافي ، فتشتاق النفوس أكثر وتتعلّق القلوب بأداء هذه الفريضة واقتطاف ثمارها ، وبالتالي ديمومتها وإمدادها بطاقات بشرية جديدة في كلّ عام وهكذا . . يبدأ التحوّل سنوياً ويتواصل التغيير في المجتمع الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه . . ويتمّ عبر الحج ـ وهو وسيلة من وسائل التغيير ـ التغيير المنشود }إنّ الله لا يغير ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم{ .

إنّ المساواة بين أفراد الحجيج ، مساواتهم في الزي (لباس الإحرام) المتكوّن من ثوبين يرتدي بالأول ويأتزر بالثاني على أن لا يكونا مخيطين إيغالاً في البساطة وبعيداً عن التكاثر والتظاهر والتفاخر بالأنساب والألقاب . . يعدّ هذا مساواة وعدلاً بين الناس الذين وفّقوا لأداء مناسك الحج بأموال ليس للغير حقّ فيها نظيفة من كلّ شائبة حرام . كل هذا يعدّ محطّات لتزكية النفوس .

يقول السيّد الإمام : آ«هذا البيت للنّاس ، ولا توجد أولويّة لأحد على أحد ، أو لمجموعة على أخرى ، أو لطائفة على أخرى ، الجميع بشر . . .آ»(222)

إنّ الحجيج وهم يؤدّون مناسكهم بعيداً عن كلّ أشكال النجاسات المادية والمعنوية التي تتمثّل بالجدال والفسوق والأذى للحيوانات والنباتات فضلاً عن الإنسان ، يشكلون بذلك مجتمعاً إنسانياً متحرّكاً هنا وهناك في عرفات ، وعند الإفاضة إلى المزدلفة وفي منى ، وعند الطواف بالبيت وفي السعي . . حقّاً إنه مجتمع إنساني بدوافع ذاتية مستجيبة لنداء ربّها لا غير وملبّية لأذان إبراهيم لا غير ، ومنقادة لخطاب السماء لا غير ، ومنفّذة لأحكامها الشرعية لا غير . . دون أن يكون هناك أمر دنيوي يُطاع . .

مثل هكذا تجمّع في بقعة مباركة محدودة ، وفي زمن هو الآخر محدّد ، وفي مظهر واحد ، وتحت ظلّ شعار واحد ، ومنسك واحد يضمّ محاور متعدّدة ممّا يجعله ذا خصوصية لا تجدها في غيره ، لا شك ولا ريب أنه سيترك آثاره سواءً كانت آثاراً نفسية أم كانت آثاراً تربوية على الإنسان الحاج كشخص ، أو على الإنسان الحاج كمجتمع ، كما يترك آثاره على من يرى من بعيد هذه المشاهد عبر وسائل النقل والاعلام أو يسمع عنها أو يقرأ . .

لهذا رأى القائد الامام الخميني في موسم الحج فرصاً عظيمة لتحقيق الأهداف العليا .

إن الحج إذا ما أودّي بشكله الإبراهيمي المحمّدي وتحت الشعار الرئيسي فيه وهو البراءة ، البراءة من المشركين آ«صرخة البراءة من المشركين في مراسم الحجّ هي صرخة سياسيّة عباديّةآ» كما عبّر عنها الإمام الخميني ، فهو قطعاً بهذا الشكل مجتمع متحرّك واع ، رافض للظلم والطغيان ، يحتفظ بسلوك منظم ، ويتقيّد بما وضع له من أحكام وتشريعات ، وسيبقى بلا شك نموذجاً اجتماعياً رائعاً فاعلاً ذا آثار كبيرة على الوضع النفسي للأفراد وبالتالي الوضع الاجتماعي ، وهو بعد ذلك نموذج فذّ لتصميم سماوي ، غايته خدمة الإنسان ومصالحه التي غالباً ما تتأتى من خلال اجتماعه وائتلافه مع بني جنسه .

يقول السيّد الإمام: آ«إنّ الحجّ هو أفضل مكان لتعارف الشعوب الإسلامية حيث يتعرّف المسلمون على إخوانهم وأخواتهم في دين الإسلام من جميع أنحاء العالم . . ومع مراعاة الأخلاق الكريمة الإسلامية واجتناب الجدال ، يتجلّى ويتمظهر صفاء الاخوة الإسلامية وأبعاد تنظيم الأمة المحمّدية في جميع أنحاء العالم .

ولنصل إلى النصر من خلال الاجتماع على الحق وتوحيد الكلمة ، وكلمة التوحيد التي هي أساس ومنبع عظمة الأمة الإسلاميةآ» .

فكلّ منسك يؤدّيه الحاج وكلّ موقف يقفه ، بل وكلّ حركة وسكون يلتزم بهما الحاج تشعره بأنه جزء مهمّ من منظومة الأمة الواحدة ، فالمناسك وأحكامها تجعل الإنسان الحاج يعتقد بأنّ عليه مسؤولية خاصة مسؤوليّة عظيمة في إطار العمل العام والجهد العام للحجّاج فتدفعه إلى أن يجهد نفسه لكي لا يعيق ذلك التحرّك العام أو يمنعه بل وعليه أن يفكّر بمسؤوليته كإنسان في مجتمع عام إزاء الآخرين من هذا المجتمع ، فيتدرب على ذلك السلوك وعلى رعايته وتبنّيه في حياته العامة والخاصة .

وما توصيات السيد الإمام على أن يكون الوقوف واحداً في عرفات والمزدلفة ومنى; إلاّ كان تأكيداً منه على الجانب الاجتماعي الموحّد في هذه الفريضة ، إضافة إلى آثاره الأخرى ومنافعه المتعدّدة ، وكذلك أمره بالصلاة جماعة مع الطوائف المسلمة الأخرى ، وعدم جواز أدائها جماعة في البيوت وفي مراكز بعثات الحجّ ، بل وعدم جواز إعادتها آ«ينبغي الحضور بين جماعات أهل السنّة ، واجتناب الصلاة في المنازلآ» إلا جانب آخر من جوانب اهتماماته رضوان الله عليه في مسألة هذا الاجتماع ودليل حرصه الأكيد على ما يتركه من آثار ، فشقّ الصف يؤدّي إلى نتائج وخيمة وبالتالي نفقد ونخسر فوائد الحج واجتماع المسلمين في هذا الموسم المبارك وما يتركه من هيبة ورهبة في صفوف الأعداء ، فمن أقواله بهذا الخصوص:

آ«طوفوا حول الكعبة بالطواف المتعارف على النحو الذي يقوم به جميع الحجاجآ» .

أي بعيداً عمّا يثير الانتباه لنشازه وغرابته ، فيكون له أثر بالغ في شقّ الظاهرة الاجتماعية هذه آ«احترزوا من الأعمال التي يفعلها الأشخاص الجاهلونآ» لما تتركه هذه الأعمال من آثار سيئة على هذه الفريضة ووحدة الصف فيها واجتماع المسلمين الموحّد ، آ«ويجب على الاخوة الايرانيين وشيعة سائر الدول الاحتراز من الأعمال الجاهلة التي تؤدي لتفرقة المسلمينآ» .

ولم يبخل رحمه الله تعالى بما يمدّ هذا التجمّع الأكبر من عناصر القوّة والثبات والديمومة; ليؤدي معانيه الإنسانية الجميلة في ظلال الدين الإسلامي الحنيف .

فالهدف الأسمى من إرسال هذه الرسالة الخاتمة هو إنشاء الجماعة الفاضلة التي تُبنى على الفضيلة ، ويرتبط أبناؤها بالأخلاق الفاضلة والمودّة الواصلة; لتكون نموذجاً يحتذى من قبل الآخرين ، وفضيلة متحرّكة قد يتأثّر بها من يراها حتّى وإن كان من أعدائها .