> : AL - Hadj  Library: <
1القرآن والحج
2الحج في السنّة الشريفة
3فقه الحج
4 مفاهيم الحج والدروس المتعلقة به
5حوار ولقاءات ورسائل
6الحج والتأريخ
7شخصيات من الحرمين الشريفين
8الحج في الأدب العربي
9المعالم الإسلامية
10الفهارس والمعاجم
11شبهات وردود
12العقيدة الاسلامية
13مناسک الحج
14الوحدة الاسلامیة
15مجلة ميقات الحج

   مجلة ميقات الحج

   السنة السادسة ـ العدد الثاني عشر ـ 1420هـ  .



--[19]--

آيات الحجّ ومناسكه

بين التفسير الدلالي والتفسير التطبيقي

ـ في نظر الإمام الخميني ـ

عبدالسلام زين العابدين

 

 

أهمّ ما يمتاز به تفسير الإمام الخميني للقرآن الكريم أمران أساسيان :

الأوّل: الأبعاد المتعدّدة ، والاتجاهات المتنوّعة ، التي تنطلق مع الآيات القرآنية في آفاقها الرحبة ، وأبعادها الواسعة التي تتجاوز الفرد إلى المجتمع والأمّة والدولة .

الثاني: التطبيق والتجسيد ، وهو عملية تلمّس المصاديق الحيّة المعاصرة ، والنماذج الفاعلة الحاضرة لما تطرحه الآيات القرآنية . . وهو ما يعرف بـ (التفسير التطبيقي) .

ويعطي الأمر الأوّل للتفسير طابع الشمولية والامتداد لكلّ ساحات الحياة ، ومواقع التدافع : الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثورية . . فيما يُعطي الأمر الثاني طابع الواقعيّة والعصريّة . . بعيداً عن التجريدية والماضويّة .

من هذا المنطلق يأسف الإمام الخميني على تلك النظرات التفسيرية الضيّقة للآيات المباركة التي تجعلها محصورة في زاوية معتمة ، وبُعد ضيّق ، واُفق قريب لا يتجاوز دائرة المحلّة التي يصلّون في مسجدها ، أو على حدّ تعبير الإمام آ«لا يتجاوز محور تفكيره محيط المسجدآ» .



--[20]--

فإذا أرادوا أنْ يطبّقوا ـ مثلاً ـ آية أكل السحت في سورة المائدة: }لولا ينهاهم الرّبانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون{(1) ، آ«لا يخطر ببالهم سوى البقّال القريب من المسجد الذي يطفّف في البيع مثلاً . . . فلا يلتفتون إلى التطبيقات الواسعة والكبيرة لأكل السحت والنهب ، التي تتمثّل ببعض الرأسماليين الكبار أو من يختلسون بيت المال ، وينهبون نفطنا ، ويحوّلون بلادنا إلى سوق لبيع المنتوجات الأجنبية غير الضروريّة ، والغالية الثمن; لكونهم يمتلكون وكالات الشركات الأجنبية ، ويملأون جيوبهم وجيوب المتموّلين الأجانب من أموال الشعب غير هذا السبيلآ» .

يؤكّد الإمام على هذا النمط المغفول عنه من السحت ، بقوله: آ«هذا أكلٌ للسحت على مستوى واسع ودوليآ»!

كما يدعو الناس ـ وهم يقرأون آية أكل السحت ـ إلى تطبيق الآيات في واقعنا المعاصر لتشمل المصاديق الكبيرة ، قائلاً:

آ«اِدرسوا أوضاع المجتمع وأعمال الدولة والجهاز الحاكم بشكل دقيق; لتروا أنّ (أكل السحت) مرعب يجري عندناآ»(2) .

وإذا أرادوا أن يفسِّروا آيات (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ويطبقوها على المجتمع ، فإنّهم لايرون المنكر إلاّ في آ«نطاق دائرة صغيرةآ» ، كـ آ«سماع الموسيقى في الباصات ، أو ارتكاب بعض المخالفات في المقاهي ، أو تجاهر بعض الناس بالإفطارآ» في الساحات ، من دون أن يلتفتوا إلى آ«تلك المنكرات الكبيرةآ» ، وإلى آ«أولئك الذين يقومون بضرب الإسلام معنوياً ، وسحق حقوق الضعفاءآ»(3) .

ولم تشذّ آيات الحجّ عن تلك النظرة الضيّقة لبعض الناس ، ممّا أدّى بنا الأمر إلى حصرها في آفاق ضيّقة سواء على صعيد التفسير الدلالي أو التطبيقي .

كما لم تشذّ تلكم الآيات عن ذلك المنهج التفسيري القيّم للإمام الخميني ، بل إنّها تشكّل مصاديق بارزة ، ونماذج حيّة ، تؤكّد على طابعي الشمولية والمعاصرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة : 63 .

(2) الحكومة الإسلامية : 166 ـ 167 .

(3) الحكومة الإسلامية : 171 .



--[21]--

في منهجه التفسيري(1) .

ينطلق الإمام في تفسيره لآيات الحج ومناسكه في آفاق رحبة بعيدة; ليكتشف أبعادها السياسية والاجتماعية والثورية ، إضافة إلى أبعادها الروحية العرفانية .

المبحث الأوّل: آية شهود المنافع

}وأذِّن في الناس بالحجِّ يأتوك رجالاً وعلى كُلِّ ضامر يأتينَ من كُلِّ فَجٍّ عميق* ليشهدوا منافع لهم . . .{(2) .

لماذا هذا الإعلام الإبراهيمي برفع الصوت بالحجّ عالياً ، والنداء؟

لماذا كلّ هذا الحرص على حضور الناس وحشدهم في زمان واحد وفي مكان واحد وفي مناسك موحّدة؟

لماذا كلّ هذا الحشر في ذلك المكان المقدّس الطاهر؟

ما هو سرّ هذا الحشد المليوني الهائل لهؤلاء المسلمين الآتين من شرق الأرض وغربها؟

ما هي المقاصد والأهداف والغايات التي تجعل هؤلاء الملايين من المسلمين يهجرون أوطانهم وأهليهم ، ويعطّلون أعمالهم ومشاريعهم ، ليلتحقوا بركب الحجيج المقبلين من أقطار بعيدة ، وأصقاع نائية؟

إنّ الآيه الثانية تعطي لنا الجواب الشافي عن هذه الأسئلة المتعدّدة مبنى ، المتّحدة مضموناً ومعنىً ، حيث ترسم لنا فلسفة الحجّ ، وعلّته أو غايته ـ على اختلاف اتجاه التفسير في حرف (اللام) ـ بقوله: ليشهدوا ـ ذلك التجمّع المليوني للمسلمين الآتين من كلِّ فجٍّ عميق ، راجلين وراكبين: }ليشهدوا منافع لهم{!

(التجارات) هي المنافع الدنيويّة: بين الأمس واليوم!

يتساءل الإمام الخميني : ما هي هذه (المنافع) التي تمثِّل العلّة أو الغاية من حضور هذا الحشد المليوني الهائل؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في كتاب (منهج الإمام الخميني في التفسير) ، وهو الكتاب الثالث من سلسلة (كتاب قضايا إسلامية معاصرة) ، بحثتُ ـ بشيء من التفصيل ـ عن المنهج التفسيري عند الإمام الخميني ، ولاسيّما في الفصل الثالث منه ، والذي كان بعنوان : (التفسير الخميني: الاتجاهات والأبعاد) ، بيد أنني لم أذكر آيات الحج فيه ، لاختصاره وإيجازه .

(2) الحج : 27 ـ 28 .



--[22]--

ماذا يتصوّر المسلم القارئ للقرآن الكريم من دلالات وأبعاد وآفاق لهذه (المنافع) التي أراد الله تعالى أن يشهدها الملايين الوافدون من أصقاع الكرة الأرضية؟

هل نكتفي بتفسير (المنافع) بكونها منافع اُخروية في الجنّة فيما يعطيه الله للحجّاج من الثواب الجزيل كما ذهب بعض المفسِّرين ، أو نفسّرها بـ (التجارات في الدنيا كما ذهب بعض آخر ، أم نجمع بين التفسيرين (التجارات في الدنيا ، والمغفرة في الآخرة)؟! وكأنّ (التجارات) هي المنافع الدنيوية الوحيدة التي من أجلها فرض الله عزوجل فريضة الحجّ ، وأوجب على المسلمين أن يحقّقوا ذلك الاجتماع المليوني الكبير!!

وإذا كان السابقون يدركون المقاصد التجارية للحج باعتباره يمثِّل ـ فيما يمثِّل ـ سوقاً إسلامية عالمية رائجة ، فنحن ـ في واقعنا المعاصر ـ لا يمكن أن نعتبر هذه السوق من (المنافع) التي ذكرتها الآية المباركة ، وجعلتها علّة أو غاية للحكم . . . ذلك لأنّ السوق في مكّة والمدينة أصبحت (أمريكية ـ أوروبيّة ـ يابانية) بكلّ معنى الكلمة!!

وقد نبّه الإمام الخميني إلى هذه الظاهرة الخطيرة وحذّر الحجّاج المسلمين ، الذين تركوا الأهل والديار ، وأتوا ملبّين دعوة إبراهيم الخليل(عليه السلام) ، من أن يكونوا آ«مستهلكاًآ» ممتازاً للبضائع الأمريكية ، بقوله:

آ«أسواق البلدان الإسلامية أصبحت مركز تنافس بضائع الغرب والشرق ، حيث تتجه إليها سيول البضائع الأمريكية والأوروبية واليابانية الكمالية واللعب والاستهلاكيات .

ومع الأسف الشديد فانّ مكّة المعظّمة وجدّة والمشاهد المشرّفة في الحجاز . . حيث مركز الوحي ومهبط جبرائيل وملائكة الله ، ومحلّ تحطيم الأصنام والبراءة منها ، أصبحت مملوءة ببضائع الأجانب ، وغدت سوقاً رائجاً لأعداء



--[23]--

الإسلام وأعداء الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)(1)آ» .

وقد حذّر الإمام بصورة متكرّرة من هذه الظاهرة السيئة الخطيرة التي تحوّل (المنافع) التجارية ـ التي ذكرها المفسِّرون المتقدّمون ـ إلى مضار كبيرة ، بحيث
نرى أنّ الحجيج يستغرقون الليالي والأيّام في أسواق مكة والمدينة ليشتروا
تلك البضائع ، يقول الإمام: آ«كثير من حجّاج بيت الله الحرام الذين يذهبون لأداء
فريضة الحج ، ومن المفروض بهم أن يلبّوا استغاثة المسلمين لما يحيط بهم من
مؤامرات ، نراهم يتجوّلون غافلين في الأسواق بحثاً عن البضائع الأمريكية والأوروبية
واليابانية ، وبذلك يُؤلمون قلب صاحب الشريعة بعملهم هذا المسيء إلى كرامة الحج والحجّاج معاًآ»(2) .

وفي خطابه للعام التالي (1406هـ) ركّز الإمام في تحذيره على البضائع الأمريكية خاصة ، وذلك في النقطة الثالثة من توصياته السنوية إلى الحجّاج الايرانيين ، معتبراً عرضها مخالفاً لمقاصد الحج وأهدافه ، كما أنّ شراءها يُعدّ دعماً ومساندةً لأعداء الإسلام ، بقوله:

آ«بالنسبة للبضائع المعروضة في الحجاز للحجّاج المحترمين ما كان يرتبط منها بأمريكا ، فانّ عرضها مخالفٌ للأهداف الإسلامية ، بل مخالفٌ للإسلام تماماً ، وشراءها دعمٌ لأعداء الإسلام ، وترويجٌ للباطل ، فيجب الاجتناب عن ذلكآ» .

واعتبر الإمام ـ إبّان الحرب المفروضة ـ أنّه آ«ليس من الإنصاف أن يقدّم شبابنا أرواحهم في الجبهات ويضحون ، بينما أنتم تساعدون مجرمي الحرب بشرائكم هذه البضائع . . فإنّ في ذلك إساءة إلى الإسلام والجمهورية الإسلامية وشعبكم المظلومآ» .

وقد أشار إلى أنّ هذه المسألة قد ذكرها في السنوات السابقة ، بيد أنها تستحق التكرار والتأكيد لأهمّيتها ، حيث يقول:

آ«لقد ذكّرت بهذا في السنوات الماضية لأهمية الموضوع وحسّاسيته ، ومن واجبي أن اُكرّر ذلكآ»(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام : 28 / ذي القعدة / 1405 هـ .

(2) المصدر السابق .

(3) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجة / 1406هـ .



--[24]--

(المنافع) بنظر المفسِّرين المعاصرين

ركّز بعض المفسّرين المعاصرين على التعليل أو الغاية: }ليشهدوا منافع لهم{ ، ورسموا الأبعاد المتنوّعة والمتعدّدة لهذه المنافع ، التي أراد الله تعالى أن يشهدها موسم الحج في مكّة المكرّمة .

* العلاّمة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) نبّه إلى إطلاق تعبير (منافع) ، وعدم تقييده بالدنيوية أو الأخروية ، ممّا يعني شمولهما معاً ، وقد عرّف المنافع الدنيويّة بأنّها تلك آ«التي تتقدّم بها حياة الإنسان الاجتماعية ، ويصفو بها العيش ، وترفع بها الحوائج المتنوعة ، وتكمل بها النواقص المختلفة من أنواع التجارة والسياسة والولاية والتدبير وأقسام الرسوم والآداب والسنن والعادات ، ومختلف التعاندات والتعاضدات الاجتماعية وغيرهاآ» .

ثمّ أعطى العلاّمة مصاديق هذه المنافع الدنيوية مشيراً إلى الأمور التالية:

أولا: التعارف بين المسلمين القادمين من أصقاع الأرض المختلفة .

ثانياً: اتحاد المسلمين على كلمة واحدة هي كلمة الحق .

ثالثاً: التعاون فيما بينهم في سبيل حلّ مشاكلهم .

رابعاً: امتزاج المجتمعات الإسلامية لتكون آ«مجتمعاً وسيعاً له من القوّة والعدّة ما لا تقوم له الجبال الرواسي ، ولا تقوى عليه أيّ قوّة جبّارة طاحنة ، ولا وسيلة إلى حلّ مشكلات الحياة كالتعاضد ، ولا سبيل إلى التعاضد كالتفاهم ، ولا تفاهم كتفاهم الدِّينآ»(1) .

* ومن المفسِّرين المعاصرين الذين أعطوا لآية المنافع دلالاتها وأبعادها ، هو صاحب (في ظلال القرآن) سيّد قطب ، حيث يقول:

آ«والمنافع التي يشهدها الحجّ كثيرة ، فالحجّ موسمٌ ومؤتمر . الحجّ موسم تجارة وموسم عبادة. والحجّ مؤتمر اجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون، وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة ، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الميزان 14 : 369 ـ 370 .



--[25]--

ثمّ يعدّد هذه المنافع الكثيرة ، ويرسم بريشته الفنّية الأرواح وهي ترفّ حول بيت الله وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترفّ كالأطياف .

طيف إبراهيم الخليل(عليه السلام) وهو يودّع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمّه ، ويتوجّه بقلبه الخافق الواجف إلى ربِّه: }ربّنا انّي أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم . . .{ .

وطيف هاجر ، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرّة الملتهبة حول البيت ، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش ، وهدّها الجهد وأضناها الاشفاق على الطفل . . ثمّ ترجع في الجولة السابعة وقد حطّمها اليأس لتجد النبع  يتدفّق بين يدي الرضيع الوضيء . وإذا هي زمزم ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب .

وطيف إبراهيم(عليه السلام) وهو يرى الرؤيا ، فلا يتردّد في التضحية بفلذّة كبده . . .

وطيف إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) يرفعان القواعد من البيت، في إنابة وخشوع...آ»(1) .

ويستمرّ (سيِّد) في رسم تلك الأطياف . . إلى أن يقول:

آ«والحجّ بعد ذلك كلّه مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة . مؤتمرٌ يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: }ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا{ . . ويجدون محورهم الذي يشدّهم جميعاً إليه: هذه القبلة التي يتوجّهون إليها جميعاً ، ويلتقون عليها جميعاً . . ويجدون قوّتهم التي قد ينسونها حيناً . قوّة التجمّع والتوحّد والترابط الذي يضمّ الملايين . الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدّد . . راية العقيدة والتوحيدآ» .

آ«وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى ، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب ، وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ظلال القرآن 4 : 2419 .



--[26]--

المتكامل مرّة في كلّ عام . . .آ» .

ويرى صاحب (في ظلال القرآن) أنّ كلّ ذلك يمثِّل آ«بعض ما أراده الله بالحجّ يوم فرضه على المسلمين ، وأمر إبراهيم(عليه السلام) أن يؤذن به في الناسآ» }ليشهدوا منافع لهم{ . . فإنّ كلّ جيل يشهد تلك المنافع آ«بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياتهآ»(1)!

(المنافع) بنظر الإمام الخميني

ركّز الإمام على آية (شهود المنافع) كثيراً ، وذكرها في العديد من خطاباته السنوية التاريخية في موسم الحج ، وأعطى دلالاتها وتطبيقاتها معاً .

وقد أكّد على شمولية هذه المنافع; لتشمل كلّ نفع للمسلمين والاُمّة الإسلامية على جميع الأصعدة الروحية والسياسية والثورية والاجتماعية والاقتصادية ، وقد دعا ـ بقوّة ـ الحجيج جميعاً إلى تحقيق تلكم المنافع المتنوّعة في ذلك آ«المؤتمر الإسلامي الكبير ، في الأيام المباركة والأرض المباركةآ» ، قائلاً:

آ«على المسلمين الملبِّين لدعوة الله تعالى أن يستفيدوا من المحتوى السياسي والاجتماعي ، إضافة إلى المحتوى العبادي ، وأن لا يكتفوا بالشكل والصورة فحسبآ»(2) .

وقد أطلق الإمام في خطاباته زفرات الأسف واللوعة على ما آل إليه المسلمون في الغفلة عن تلكم (المنافع) العظيمة ، التي توخّاها القرآن من تشريعه لفريضة الحجّ . . إلى درجة بدا فيها (الحجّ الإبراهيمي ـ المحمّدي) غريباً ومهجوراً ، حيث يصرّح قائلاً:

آ«إنّ الحجّ (الإبراهيمي ـ المحمدي) غريبٌ ومهجور منذ سنين على الصعيد المعنوي والعرفاني ، كما هو غريب ومهجور على الصعيد السياسي والاجتماعي ، وعلى الحجّاج الأعزّاء من جميع أقطار العالم الإسلامي أن يزيلوا عن بيت الله غربته على الأبعاد والأصعدة كافّةآ»(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ن . م : 242 .

(2) خطاب الإمام: 7 / ذي القعدة / 1399 هـ .

(3) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجّة / 1406هـ .



--[27]--

ولهذا حذّر من أن يكون هذا الاجتماع المليوني للمسلمين الآتين من كلِّ فجٍّ عميق ، مصداقاً للرواية القائلة:

آ«ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيجآ»(1)!

وهناك مقولة رائعة للإمام تعبّر عن مدى المنافع والعطاءات لفريضة الحج ، وعلى جميع الأصعدة ، وهي: آ«الحجّ كالقرآن مائدة ينتفع منها الجميعآ»(2) ، ولذا فإنّه يرى الاستفادة من جواهر بحره تختلف بحسب اختلاف مستويات الناس الفكرية والثقافية ، وحملهم لهموم الأمّة الإسلامية ، وشعورهم بآلامها وآمالها .

كما يرى أنّ الحجّ يشبه القرآن في غربته ومهجوريته ، حيث يقول: آ«الحجّ مهجور كالقرآنآ»(3) .

من هنا ندرك أنّ الإمام يرى أنّ الحج كالقرآن في أعماقه ، وكالقرآن في غربته .

من هذا المنطلق يوجب مفسّرنا الإمام على جميع المسلمين آ«أن يسعوا من أجل إعادة الحياة إلى الحجّ والقرآن معاًآ» ، كما يدعو علماء الإسلام الملتزمين إلى آ«أن يضطلعوا بمسؤولية تقديم وإعطاء التفاسير السليمة والواقعية لفلسفة الحج ومناسكه ، بعيداً عمّا تنسجه خيالات وتصوّرات (علماء البلاط) من خرافاتآ» .

(المنافع) : البعد السياسي ـ الاجتماعي

لقد ركّز الإمام على البعد (السياسي ـ الاجتماعي) في قوله تعالى: }ليشهدوا منافع لهم{; أكثر ممّا ركّز على البعد (النفسي ـ العرفاني) ، رغم تصريحه بأنّ البعد الثاني هو الأساس ، وهو المنطلق لكلّ الأبعاد الأخرى ، حيث صرّح قائلاً:

آ«إنّ البعد (السياسي ـ الاجتماعي) لا يتحقّق إلاّ بتحقّق بُعده المعنوي الإلهيآ»(4) .

وقد كان يؤكّد في كتبه أنّه: ما لم تتكسّر أصنام كعبة القلب ، لا يمكن للإنسان أن يكسِّر الأصنام الأخرى الحجرية والبشرية المتمثّلة بالطاغوت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 1 / ذي القعدة / 1403هـ .

(2) خطاب الإمام: 4 / ذي الحجّة / 1408هـ .

(3) ن . م .

(4) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجّة / 1404هـ .



--[28]--

السياسي ـ الاجتماعي(1) ، ذلك لأنّ الإنانية هي اُمّ الأوثان وأعدى أعداء الإنسان(2) ، وأنّ آ«كلّ جهود الأنبياء من آدم حتّى الخاتم استهدفت كسر صنم الذاتية الذي هو أكبر الأصنام ، ثمّ كسر بقية الأصنامآ»(3) .

ولهذا يرى أنّ الطواف حول الكعبة آ«يرمز إلى عدم الالتفاف حول غير اللهآ»(4) ، كما هو آ«رمزٌ إلى عشق الله وتنزيهٌ للنفس من أن تخاف غيره تعالىآ»(5) ، كما أنّ الصفا والمروة يمثِّل آ«السعي لإيجاد المحبوبآ»(6) .

بيد أنّ سر تركيز الإمام على البعد (السياسي ـ الاجتماعي) في فريضة الحج يكمن في إيمانه بأنّ أعداء الإسلام ما تآمروا على بُعد من أبعاد الحجّ أكثر ممّا تآمروا على هذا البعد السياسي الاجتماعي ، من أجل أن يفرغوا فريضة الحج منه ، حتى غدا الحج أبعد ما يكون عن السياسة والاجتماع!! يقول الإمام:

آ«إنّ من أكثر أبعاد الحجّ تعرّضاً للغفلة والهجران هو البعد السياسي لهذه المناسك العظيمة . ولقد عملت الأيدي الآثمة أكثر ما عملت ـ ولا زالت ـ على هجرانهآ» .

ولهذا فإنّ آ«المسلمين اليوم ، وفي هذا العصر ـ عصر الغاب ـ مسؤولون أكثر من أيّ وقت مضى على إبرازه وإزالة الحجب عنهآ» .

تغييب البعد السياسي: مؤامرة كبرى

يرى الإمام(قدس سره) أنّ تغييب البعد السياسي الاجتماعي الثوري لفريضة الحجّ ومناسكه إنّما هو مؤامرة كبرى تولّى كبرها عناصر ثلاثة:

العنصر الأوّل: الاستكبار العالمي (المتلاعبون الدوليون) .

العنصر الثاني: الحكّام العملاء التابعون .

العنصر الثالث: العلماء (المزيّفون + المتحجّرون) .

ولا يخفى أنّ العنصر الثالث يتضمّن طائفتين:

أ ـ المزيّفون المأجورون (وعّاظ السلاطين) ، أو (علماء البلاط) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الآداب المعنوية : 422 .

(2) ن . م : 24 .

(3) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجة / 1404هـ .

(4) خطاب الإمام: 7 / ذي الحجة / 1399هـ .

(5) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجة / 1406 هـ .

(6) ن . م .



--[29]--

ب ـ المتنسكون المتحجّرون (المتزمتون) .

ولا يكاد يخلو خطاب سنوي تاريخي من خطابات الإمام في موسم الحج ، من تسليط الأضواء على هذه المؤامرة الكبرى بأطرافها الثلاثة ، التي نجحت إلى حدٍّ كبير في إفراغ الحج من محتواه السياسي ، ومضمونه الاجتماعي الثوري .

ففي عام 1404هـ كشف الغطاء بصراحة عن مثلث التآمر ، قائلاً:

آ«لقد عملت الأيدي الآثمة أكثر ما عملت ـ وما زالت ـ على تغييبه وهجرانه ، يساندهم في ذلك ـ عن علم أو غير علم ـ عملاؤهم الطامعون والغافلون الجهلة ، وعلماء الدين المأجورون أو المنحرفون ، والمتنسكون المتزمّتون المتحجّرونآ»(1) .

وهذا النصّ يشير بصراحة إلى مثلث التآمر برؤوسه الثلاثة .

وفي بداية ذات الخطاب أكّد على العنصر الأوّل والثاني باعتبارهما الأخطر; لأنّ العدوّ الداخلي أخطر بكثير من العدوّ الخارجي ، حيث يقول:

آ«ومن المؤسف أنّ الأبعاد المختلفة والمتنوّعة لهذه الفريضة المصيرية العظيمة ، بقيت مغيّبة من وراء حجب ، بسبب انحرافات حكومات الجور في البلدان الإسلامية ]العنصر الثاني[ ، ووعاظ السلاطين السافلين ]العنصر الثالث  ـ أ[ ، وسوء فهم بعض علماء الدين المتزمّتين المتحجّرين في العالم الإسلامي ]العنصر الثالث ـ ب[آ»(2) .

ومن دون شك فإنّ العنصر الأخطر في هذه المؤامرة هو العنصر الثالث بكلا قسميه ، وقد عانى الإمام منهم ـ كما صرّح بذلك ـ أكثر ممّا عانى من أمريكا!!

يقول الإمام: آ«وقد بلغ الأمر بهؤلاء المنحرفين إلى أن وقفوا معارضين لإقامة الحكومة الإسلامية ، واعتبروها أسوأ من حكومة الطاغوت ، وحصروا فريضة الحج الكبرى بظواهر فارغة ، واعتبروا طرح مشاكل المسلمين والبلدان الإسلامية (في هذا المؤتمر الإسلامي المليوني) مخالفة للشريعة ، بل يصل إلى حدّ الكفر!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجّة / 1404 .

(2) ن . م .



--[30]--

هؤلاء العملاء المرتبطون بالحكومات الجائرة المنحرفة صوّروا صرخة المظلومين المجتمعين من أرجاء العالم ، وفي مركز النداء هذا ، بأنّها زندقة مخالفة للإسلام!!

هؤلاء المهرِّجون ـ من أجل إبقاء المسلمين على تخلّفهم ، وفتح الطريق أمام الغزاة والسلطويين . . . حصروا الإسلام في زوايا المساجد والمعابد ، واعتبروا الاهتمام بأمور المسلمين مخالفاً للإسلام ولواجبات المسلمين وعلماء الإسلام!!آ»(1) .

وعاظ السلاطين يدينون رسول الله(صلى الله عليه وآله)!

آ«إنّ الحجّ ـ منذ انبثاقه ـ لا يقلّ بعده السياسي أهميّةً عن بعده العبادي ، بل إنّ
البعد السياسي هو بذاته عبادةآ»
(2) ، وإنّ آ«البعد السياسيآ» يمثِّل آ«إحدى حكم
الحجّ الكبرىآ»(3) ، وإنّ آ«الحجّ إنّما هو لهذه المسائل (السياسية ـ الاجتماعية . .) إنّما
هو لقيام الناس }قياماً للناس{(4) ، لكي يدرك المسلمون مشاكلهم ويسعوا في
حلّهاآ»(5) .

ولهذا فإنّه خاطب عام 1403هـ ، أحد وعّاظ السلاطين الذي أفتى بمخالفة الهتاف ضد أمريكا وإسرائيل لمراسم الحج وقدسيّة بيت الله الحرام ، قائلاً له:

آ«هل التأسّي برسول الله واتّباع أمر الله مخالف لمراسم الحجّ؟!

هل تنزهون مراسم الحج من البراءة من المشركين ؟!

أتكتمون أوامر الله ورسوله من أجل متاع الحياة الدنيا ، وترون إعلان البراءة من أعداء الإسلام والظالمين كفراً(6)؟!آ»

وفي نفس الخطاب ، أكّد على الدور السيئ لـ (وعّاظ السلاطين) في إفراغ الحجّ من محتواه ومضمونه بإبعاده عن السياسة والاجتماع ، وأنّهم بمقولاتهم آ«يدينون رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ويدينون أئمّة الهدىآ»(7) .

وفي عام 1407هـ ، أشار الإمام في خطابه التاريخي إلى تصاعد دور (العناصر الثلاثة) في الوقوف أمام الوعي السياسي لفريضة الحج ومناسكه ، الذي بدأ ينتشر في صفوف المسلمين ، وحذّر من تسخير (الناهبين الدوليين) لعلماء البلاط ، ووعاظ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ن . م .

(2) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجة / 1404هـ .

(3) ن . م .

(4) المائدة : 97 .

(5) خطاب الإمام: 8 / ذي القعدة / 1403 هـ .

(6) ن . م .

(7) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجّة / 1407هـ .



--[31]--

السلاطين; لإشاعة فلسفاتهم وتحليلاتهم الخاطئة والمنحرفة ، التي تجرّد الحج من مقاصده السياسية وغاياته الاجتماعية تحت شعار (قدسية الكعبة وحرمتها) . هذا إضافة إلى (المتنسكين الجاهلين) ]العنصر الثالث ـ ب[ الذين يرون أنّ الحج ليس له علاقة بالأمور السياسية .

يرى الإمام أنّ مقولات هؤلاء هي آ«من إيحاءات ومكر السياسات الخفيّة للناهبين الدوليينآ»(1) .

وفي آخر نداء تاريخي له وجّهه عام (1408هـ) إلى الحجيج الآتين من كلِّ فجٍّ عميق ، سلّط الأضواء على الدور الخطير لمن أسماهم بـ (أحفاد بلعم بن باعورا)(2)في طمس فلسفة ومقاصد فريضة الحج ، وتفريغها من محتواها الفاعل; ليكون الحج آ«ما هو إلاّ رحلة سياحية يتمّ فيها زيارة (القبلة) و(المدينة) لا أكثر! ، وذلك من خلال تساؤلاتهم التعجبية الاستنكارية حول علاقة الحج بالسياسة ومشاكل المسلمين والناس المستضعفين في العالم:

ما علاقة الحج بالبحث عن أساليب الجهاد والنضال ، وسبل مواجهة قوى الشرك والاستكبار؟!

ما علاقة الحج بالمطالبة بحقوق المسلمين والمستضعفين من الظالمين الجائرين؟!

ما علاقة الحج بمشاكل المسلمين ومعاناتهم ، والتفكير بإيجاد الحلول لها؟!

ما علاقة الحج بظهور المسلمين كقوّة كبرى ومقتدرة في العالم؟!

ما علاقة الحج بدعوة المسلمين إلى القيام والنهوض والانتفاضة ضدّ الأنظمة الطاغوتية العميلة التي تتحكّم على رقابهم(3)؟!آ» .

أهم (المنافع) السياسية

في كثير من خطاباته السنوية في موسم الحج أعطى الإمام أهم المفردات السياسية والاجتماعية لمنافع ذلك الحشد المليوني الهائل للمسلمين الملبّين نداء الحجّ ، من شرق الأرض وغربها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجّة / 1407 .

(2) أمر الله نبيّه أن يتلو نبأه ـ كما ورد في الرؤية ـ لما فيه من عبرة كبيرة لمصير العالِم الذي يتّبع هواه، ويكون من وعّاظ السلاطين وعلماء البلاط: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث...)(الأعراف: 175 ـ 176).

وقد جاء في رؤية الإمام الرضا(عليه السلام) : أنّه أُعطي (بلعم بن باعورا) الاسم الأعظم، وكان يدعو به فيستجاب له، فمال إلى (فرعون). فلمّا مرّ (فرعون) في طلب موسى وأصحابه قال فرعون لبلعم: ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا ، فركب حمارته ليمرّ في طلب موسى فامتنعت عليه حمارته، فأقبل يضربها، فأنطقها الله عزّوجلّ ، فقالت: ويلك على ماذا تضربني؟! أ تريد أن أجيء معك لتدعو على نبيّ الله وقوم مؤمنين؟! ولم يزل يضربها حتّى قتلها فانسلخ الاسم من لسانه، وهو قوله: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان...)، وهو مثل ضربه (الله)آ» (تفسير القمي / 1 / 248).

(3) خطاب الإمام: 4 / ذي الحجّة / 1408 .



--[32]--

ومن خلال استقراء تلك الخطابات والنداءات نستطيع أن نتلمس أهم تلك المنافع والمفردات:

المنفعة الأولى: قطع يد الاستكبار العالمي عن الاُمّة الإسلامية .

يصرّح الإمام في أكثر من خطاب بأنّه لا توجد منفعة أعظم وأسمى من قطع يد الاستكبار العالمي عن أمتنا الإسلامية بل عن المستضعفين جميعاً:

آ«وأيّ منافع أعظم وأسمى من قطع يد جبابرة العالم والظالمين من السيطرة على البلدان المظلومة ، ومن أن تكون الذخائر المادية العظيمة للبلدان ملكاً لشعوبها؟!آ»(1) .

وفي خطاب آخر يقول:

آ«على المسلمين المجتمعين في مواقف هذه العبادة الرامية إلى تجميع المسلمين من كلّ أرجاء الأرض; ليشهدوا منافع لكلّ المستضعفين في العالم ، وأيّ منافع أعظم من قطع يد الطامعين عن البلدان الإسلامية؟!آ»(2) .

المنفعة الثانية: التفاهم وترسيخ الاُخوّة بين المسلمين .

يعتبر الإمام آ«أنّ واحداً من أهم أركان فلسفة الحج هو إيجاد التفاهم وترسيخ الاُخوّة بين المسلمينآ»(3) .

ولا يكاد يخلو خطاب للإمام في موسم الحج من الدعوة إلى وحدة الكلمة بين المسلمين ، وضرورة نبذ الفرقة والتمزّق والتشتّت الذي يسعى أعداء الإسلام إلى إبقائه والمحافظة عليه .

ولهذا يرى الإمام أنّ آ«من واجبات هذا التجمّع العظيم ، دعوة الناس والمجتمعات الإسلامية إلى وحدة الكلمة ، وإزالة الخلافات بين فئات المسلمين . وعلى الخطباء والوعّاظ والكتّاب أن يهتمّوا بهذا الأمر الحيوي ، ويسعوا إلى إيجاد جبهة للمستضعفين للتحرّر ـ بوحدة الجبهة ووحدة الكلمة وشعار (لا إله إلاّ الله ـ من أسر القوى الأجنبية الشيطانية والمستعمرةآ»(4) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجة / 1404 هـ .

(2) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجّة / 1406هـ .

(3) خطاب الإمام: 28 / شوّال / 1399 هـ .

(4) خطاب الإمام: 7 / ذي القعدة / 1399هـ .



--[33]--

من هذا النص يظهر جليّاً أنّ المنفعة الأولى (قطع يد الاستكبار) لا تأتي إلاّ بتحقيق المنفعة الثانية (الوحدة والتآزر) .

من هذا المنطلق يخاطب الإمام حجّاج بيت الله الحرام كافة قائلاً:

آ«تبادلوا وجهات النظر ، وتفاهموا لحلّ مشاكل المسلمين المستعصية .

اِعلموا أنّ هذا الاجتماع الكبير الذي يعقد سنوياً بأمر الله في هذه الأرض المقدّسة يفرض عليكم ـ أنتم المسلمون ـ أن تبذلوا الجهود على طريق الأهداف الإسلامية المقدّسة ومقاصد الشريعة المطهّرة السامية ، وعلى طريق تقدّم المسلمين وتعاليهم واتحاد المجتمع الإسلامي وتلاحمهآ»(1) .

المنفعة الثالثة: اجتماع رجال السياسة في العالم الإسلامي

يرى الإمام أنّ هناك فرصة ذهبية لزعماء السياسة في العالم الإسلامي أن يستثمروا موسم الحج; ليعقدوا في مكّة مؤتمراً إسلامياً عالمياً يطرحوا فيه كلّ مشاكل المسلمين السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ليكتشفوا لها الحلول الناجعة:

آ«على زعماء القوم أن يجتمعوا في مكّة المعظّمة استجابةً لأمر الله تبارك وتعالى ، وأن يطرحوا مشاكلهم بينهم ويتغلّبوا عليها . ولو حدث ذلك ما استطاعت القوى الاُخرى أن تقف بوجههم مهما كانت عظمتهاآ» .

ويتساءل الإمام مستغرباً ومتعجّباً على ما آلت إليه أوضاع المسلمين:

لماذا يغفل المسلمون عن قدرة الإسلام العظيمة التي مكّنت شعباً ليغلب بيد خالية دولة غاصبة كبرى؟

لماذا تعيش الحكومات الإسلامية الغفلة عن هذه القوة العظيمة المقتدرة؟

لماذا تتلقّى الحكومات العربية الصفعات خلال السنوات المتمادية من الصهيونية؟

لماذا كلّ هذا الاستسلام والرضوخ لسيطرة القوى الأجنبية؟

لماذا لا يجتمعون ولا يتعاضدون ليكونوا تجسيداً لقول النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله): (وهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)



--[34]--

يداً على من سواهم) .

إنّ مشكلة المسلمين تكمن في العداء المرير بين الحكومات الإسلامية الذي أنشأه الاستعمار بعد الحرب العالمية(1) .

من هذا المنطلق يقترح الإمام ذهاب رجال السياسة والفكر والأدب والثقافة إلى الحج ، وأن لا يقتصر الحج على عامة الناس .

إنّه ينفث زفرات اللوعة والأسف على غفلة المسلمين عن هذا الأمر الحيوي والفاعل ، حيث يقول:

آ«نحن الآن ليس لنا من التشرّف بمكّة وحجّ بيت الله الحرام سوى ذهاب مجموعة من عامة الناس إلى هناك ، ومع الأسف الشديد فإنّ مسألة ذهاب أشخاص فاعلين من الحكومات ورجال القوم (من أصحاب الفكر والكتاب والثقافة) ; ليجتمعوا هناك ويدرسوا مسائل الإسلام والمسائل السياسية والاجتماعية للمسلمين ، هذه المسألة مغفولٌ عنها .

إنّ مشاكل المسلمين كثيرة ، ولكن مشكلة المسلمين الكبرى هي أنّهم وضعوا القرآن الكريم جانباً وانضووا تحت لواء الآخرينآ» .

آ«القرآن الكريم يقول: }واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا{(2) ولو عمل المسلمون بهذه الآية الواحدة; لانحلّت جميع مشاكلهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من دون التشبّث بالآخرينآ»(3) .

المبحث الثاني: آية البراءة من المشركين

انطلاقاً من آية البراءة: }وأذانٌ من الله ورسوله يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه{(4) ، دعا الإمام الخميني الحجيج الآتين من كلِّ فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم ، إلى ضرورة إعلان البراءة من المشركين والمستكبرين في موسم الحج ، وفي مكة المكرّمة; ليطلقوا آ«بجوار بيت التوحيد صرخة البراءة من المشركين والملحدين من مستكبر رأسه أمريكا المجرمةآ»(5) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجّة / 1400هـ .

(2) آل عمران: 103 .

(3) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجة / 1400 هـ .

(4) التوبة : 3 .

(5) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجة / 1404 هـ .



--[35]--

وما ركّز الإمام على آية من الآيات المباركة في فريضة الحج ، كما ركّز على آية البراءة ، حيث إنّه سلّط الأضواء الكاشفة على هذه الآية ، ودعا بكلّ قوّة وإصرار إلى تجسيدها في واقعنا المعاصر . . حتّى لا نعيش التفسير الدلالي والمفاهيمي للقرآن بعيداً عن التجسيد والتطبيق .

ولا يكاد يخلو خطاب من خطابات الإمام في موسم الحج من ذكر لآية البراءة ودعوة إلى تجسيدها في واقعنا المعاصر .

ويمكن تلخيص تفسيره الدلالي والتطبيقي لآية البراءة بالنقاط التالية:

أوّلاً: إعلان البراءة: إحياء لذكرى حادثة سياسية كبرى

يرى الإمام أنّ آ«إرسال سورة (براءة) لقراءتها في ذلك الجمع إنّما كان يستهدف تعليمنا ضرورة قراءة سورة براءة في ذلك المكانآ»(1) .

كما يرى أنّ إعلان البراءة في موسم الحج يعتبر آ«إحياءً لذكرى أهمّ وأكبر حركة سياسية للرسول(صلى الله عليه وآله) ، التي عبّر عنها القرآن بقوله: }وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولُه{ ، ذلك لأنّ سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله)وإعلان البراءة لن يبلياآ»(2) .

إنّ آ«إعلان البراءة من المشركين في موسم الحج ، هو إعلانٌ سياسي ـ  عباديآ»(3) .

ومهما اختلف المفسِّرون في تعيين المراد من يوم الحجّ الأكبر ـ يوم النحر كما جاء في روايات أهل البيت(عليهم السلام) أو يوم عرفة أو جميع أيّام الحج ـ فإنّ الآية المباركة واضحة في دلالتها في إعلان البراءة من المشركين في أكبر يوم من أيّام الحج ، حيث يجتمع المسلمون الآتون من كلّ فجٍّ عميق; ليشتركوا في مراسم إعلان صرخة البراءة تلك ، وليكونوا على اُهبة الاستعداد لإنفاذ أمر الله فيهم بقتال أعداء الله بعد انسلاخ الأشهر الحرم }حيث وجدتموهم{ في أي زمان ومكان ، في حلٍّ أو حرم ، وبأيّ وسيلة ممكنة بالأخذ أو الحصر أو القعود لهم في كلِّ مرصد }وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد{ حتّى يفنوا عن آخرهم ، وتطهر الأرض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجة / 1405 هـ .

(2) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجة / 1407 هـ .

(3) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجة / 1403 هـ .



--[36]--

من  وجودهم .

وقد ذكر المفسِّرون من الفريقين أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان قد بعث أبا بكر مع (براءة) ليقرأها على الناس فنزل جبرئيل(عليه السلام) فقال: لا يبلِّغ عنك إلاّ علي ، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) عليّاً أن يلحق أبا بكر ليأخذها منه ويقرأها على الناس .

فقد جاء في الدر المنثور للسيوطي: أخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند ، وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي(رضي الله عنه) قال: لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبي(صلى الله عليه وآله) دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكّة ، ثمّ دعاني فقال لي; أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه . ورجع أبو بكر ، فقال: يارسول الله نزل فيَّ شيء؟ قال: لا ، ولكن جبريل جاءني فقال لي: لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجلٌ منكآ»(1) .

وفي الدرّ المنثور كذلك: أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعث أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة ، ثمّ بعث علياً على أثره ، فأخذها منه فكأن أبا بكر وجد في نفسه ، فقال النبي(صلى الله عليه وآله) : يا أبا بكر إنّه لا يؤدِّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّيآ»(2) .

من هذا المنطلق يعتبر الإمام أنّ إعلان البراءة يمثِّل حدثاً تاريخياً عظيماً في مسيرة الإسلام بقيادة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، قد حقّق انعطافة في الموقف تجاه المشركين وأعداء الدين ، وأننا إذا قمنا بإعلان البراءة في موسم الحجّ فإنّما هو تأس برسول الله(صلى الله عليه وآله) وإحياء لسنّته .

ولهذا يستنكر الإمام على فتاوى (وعّاظ السلاطين) و(علماء البلاط) من تحريمهم إعلان البراءة في مكة ، وفي موسم الحجّ ، بحجّة الأمن والسلامة وقدسيّة الكعبة المشرّفة!!

يخاطب الإمام ذلك آ«الواعظ العميل الذي يرى الهتاف ضدّ أمريكا واسرائيل مخالفاً لمراسم الحجآ» ، قائلاً: آ«وهل التأسّي برسول الله واتّباع أمر الله مخالف لمراسم الحجّ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدر المنثور / 3 / 209 .

(2) ن . م .

ومن عجب ما أوّله بعض المفسِّرين كالآلوسي في (روح المعاني) ، حيث يقول: وقوله(صلى الله عليه وآله): آ«لا يبلغ عنّي . . .آ» جار على عادة العرب أن يتولّى تقرير العهد ونقضه إلاّ رجل من الأقارب لتنقطع الحجّة بالكلّيةآ»!! (روح المعاني / 10 / 45) .

يقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيره (الميزان): أبدع بعض المفسِّرين كابن كثير وأترابه هنا وجهاً وجّهوا ما تتضمّنه هذه الروايات . . . أنّ تعيينه(صلى الله عليه وآله) علياً بتبليغ آيات براءة أهل الجمع إنّما هو لما كان من عادة العرب أن لا ينقض العهد إلاّ عاقده أو رجل من أهل بيته ، ومراعاة هذه العادة الجارية هي التي دعت النبي(صلى الله عليه وآله) أن يأخذ براءة ـ وفيها نقض ما للمشركين من عهد ـ من أبي بكر ويسلّمها إلى علي ليستحفظ بذلك السنّة العربية فيؤدّيها عنه بعض أهل بيتهآ» . (الميزان /9/ 168 ـ 169) .



--[37]--

هل أنت وأمثالك من الوعّاظ الأمريكيين تخطِّئون فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأمر  الله؟!

هل التّأسّي بتلك الشخصية الكبرى ، وإطاعة أمر الله تعالى مخالف للإسلام؟!

هل تنزّهون مراسم الحجّ من البراءة من الكفّار؟!

أتغطون على أوامر الله ورسوله من أجل مصالحكم الدنيوية ، وترون البراءة من أعداء الله من محاربي المسلمين ومن الظالمين ولعنهم كفراً؟!آ»(1) .

ولم يشجب الإمام (وعّاظ السلاطين) فحسب ، بل هناك ممّن يسمّيهم آ«المتنسكين الجاهلينآ» يدّعون ـ كذلك ـ أنّ حرمة وقدسيّة الكعبة المعظّمة ، تنتهك برفع الشعارات وإقامة التظاهرات والمسيرات وإعلان البراءة!!(2)

ويعتبر الإمام أنّ آ«مثل هذه الأقاويل هي من إيحاءات وخبث السياسات الخفيّة للناهبين الدوليين ، ولابدّ للمسلمين أن ينهضوا ، وبكلّ ما لديهم من إمكانات . . . لخوض المواجهة الجادّة ، والدفاع عن القيم الإلهية ومصالح المسلمينآ»(3) .

ثانياً: الكعبة أجدر وأنسب بيت لإعلان البراءة

يتساءل الإمام متعجّباً ومستنكراً على أولئك الذين يعتبرون إعلان البراءة في موسم الحج يسيئ إلى فريضة الحج ومناسكها ، كما يسيئ إلى قداسة البيت الحرام ، قائلاً:

آ«وأيّ بيت أفضل وأنسب وأجدر من (الكعبة) المشرّفة ، بيت الأمن والطهارة والناس(4); لإعلان البراءة ، قولاً وعملاً ، بوجه كلِّ أشكال الظلم والاستغلال والعبودية والدناءة واللإنسانية؟!آ»(5) .

آ«إذا لم يعلن المسلمون براءتهم من أعداء الله ، في بيت الناس وبيت الله ، فأين اذن يُعلنون البراءة؟!

وإذا لم يكن الحرم والكعبة والمسجد والمحراب معاقل وسنداً لجنود الله والمدافعين عن الحرم وحرمة الأنبياء ، فأين إذن يكمن مأمنهم وملجأهم؟!آ»(6) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجة / 1403 هـ .

(2) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجة / 1407 هـ .

(3) ن . م .

(4) إشارة إلى قوله تعالى: }وإذْ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود{سورة البقرة:  125 .

(5) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجة / 1407 هـ .

(6) ن . م .



--[38]--

ينطلق الإمام بنظرته هذه إلى دور الكعبة والمسجد الحرام ، من منطلق القرآن ، الذي تعطي آياته بكلّ صراحة ووضوح ذلك الدور العظيم الذي لا ينفكّ عن القيام والنهوض والبراءة من المشركين والمستكبرين .

الآية الاُولى: }جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس{(1) .

يرى الإمام: أنّ الله عزّوجلّ في هذه الآية المباركة آ«يقرّر أنّ سرّ الحجّ وبواعثه والغاية من الكعبة والبيت الحرام هي نهوض المسلمين وقيامهم في سبيل مصالح الناس والجماهير المستضعفة في العالمآ»(2) .

لقد بدأ خطابه عام 1401 والموجّه إلى حجّاج بيت الله الحرام ، بآية القيام ، أعطى فيه السبل التي تجعل من ذلك التجمّع المليوني في موسم الحج مصدر نهوض المسلمين وقيامهم في سبيل مصالح الناس المستضعفين في العالم .

ولن يتحقّق ذلك القيام إلاّ إذا وعى المسلمون الآتون من كلِّ فجٍّ عميق مقاصد وأهداف الحج الكبرى ، وعرفوا واجباتهم في ذلك آ«التجمّع الإلهي العظيم الذي لا تستطيع أيّ قدرة سوى قدرة الله أن تعقدهآ» .

ودراسة مشاكل المسلمين ، وبذل الجهود في سبيل إيجاد الحلول لها ، هو الواجب الأوّل الذي يجب أن يضطلع به أولئك الحافّون حول بيت الله الحرام .

ويرى الإمام: أنّ آ«إحدى أكبر هذه المشاكل وأكثرها أهمّية هي عدم الوحدة بين المسلمين وتمزّقهم وتشتّتهمآ»(3) .

آ«هذا المسجد الحرام ومساجد عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله) كانت مركز الحروب ، ومركز السياسات والشؤون الاجتماعية والسياسيةآ»(4) .

آ«لو أننا ذهبنا إلى الحج ، ولم نأخذ بنظر الاعتبار مصالح المسلمين ، بل وخلافاً لمصالح المسلمين نغطّي على الجرائم التي ترتكب بحقّهم ، ولا ندع المسلمين يتداولون ما ترتكبه بحقّهم الحكومات والقوى الكبرى من جرائم ومظالم ، فليس هذا بحجٍّ; لأنّه صورة فاقدة للمعنى ، وشكل مفرّغ من المضمونآ»(5) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المائدة : 97 .

(2) خطاب الإمام: 7 / ذي القعدة / 1401 هـ .

(3) خطاب الإمام: 7 / ذي القعدة / 1401 هـ .

(4) خطاب الإمام: 8 / ذي الحجة / 1403 هـ .

(5) خطاب الإمام: 8 / ذي القعدة / 1403 هـ .



--[39]--

الآية الثانية: }وإذْ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود{(1) .

انطلاقاً من هذه الآية المباركة يرى الإمام أنّ آ«الكعبة التي هي أُمّ القرى وما امتدّ منها حتّى آخر نقطة في الأرض ـ وإلى آخر يوم من حياة العالم ـ ينبغي أن تطهّر من لوثة الأصنام مهما كانت هياكل أم شمساً أم قمراً أم حيواناً أم إنساناً . وأيّ منهم أسوأ من (الطواغيت) على مرّ التاريخ ، ابتداءً من زمان آدم صفي الله ومروراً بإبراهيم خليل الله ومحمّد حبيب الله . . . حتى آخر الزمان ، حيث يرفع محطّم الأصنام الأخير نداء التوحيد من الكعبة؟!آ» .

ويشجب الإمام النظرة الضيّقة الخاطئة للأصنام ، التي تحصرها بالأصنام الحجرية فحسب ، حيث يتساءل: آ«أَليست القوى الكبرى في زماننا هذا أصناماً كبرى تدعو الناس إلى طاعتها وعبادتها والخضوع لها ، وتفرض نفسها عليهم بالقوّة والمال والتزوير؟!

مكّة المعظّمة هي المركز الوحيد لتحطيم هذه الأصنام . إنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) ، وحبيب الله محمّداً(صلى الله عليه وآله) ، وابنه العزيز المهدي الموعود ـ روحي فداه ـ رفعوا وسيرفعون نداء التوحيد في آخر الزمان من الكعبة المشرّفةآ» .

آ«والمهدي المنتظر على لسان كلِّ الأديان وبإجماع المسلمين يَرفع نداءَه من الكعبة ، ويدعو البشرية إلى التوحيد ، والجميع يرفعون نداءهم من مكّة ، وعلينا أن نتّبعهم ، ونعلن كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة من ذلك المكان المقدّسآ»(2) .

آ«وما لم نعقد الاجتماعات الحيّة المدويّة في مركز تجمّع المسلمين (مكة المكرّمة) ، وما لم نكسِّر الأصنام ونرجم الشياطين وعلى رأسهم الشيطان الأكبر في (العقبات) ، لن يكون حجّنا حجّ خليل الله وحبيب الله ووليّ الله المهدي العزيز ، ولقيل في حقّنا: آ«ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيجآ»!(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة : 125 .

(2) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجة / 1403 هـ .

(3) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجة / 1403 هـ .



--[40]--

الآية الثالثة: }إنّ أوّل بيت وضع للناس للّذي ببكّة مباركاً وهُدًى للعالمين{(1) .

هذه الآية المباركة ـ كما يرى الإمام ـ تقرّر أنّه ليس هناك أولوية ببيت الله على سائر الناس ، لشخص أو مجموعة أو طائفة . . فإنّ الناس جميعاً ، أينما كانوا ، وفي أيّ بقعة من بقاع الأرض ، في مشارقها ومغاربها ، مكلّفون أن يكونوا مسلمين ، وأن يجتمعوا في هذا البيت الذي وُضع للناس ، وأن يزوروا هذا البيت المقدّس .

آ«بيت الله الحرام هو أوّل بيت وضع للناس ، إنّه بيتٌ عام ، ليس لشخص ولا لنظام ولا لطائفة حقّ الأولوية فيه ، سواء فيه أهل البادية وسكنة الصحراء والمتنقلون ، والعاكفون وسكنة المدنآ»: }سواءً العاكفُ فيه والباد{(2) .

آ«هذا البيت المعظّم بني للناس ، ولقيام الناس ، وللنهوض العام ، ولمنافع الناس ، وأيّ منافع أعظم وأسمى من قطع يد جبابرة العالم والظالمين من السيطرة على البلدان المظلومةآ»(3) .

ثالثاً: صرخة البراءة هي صرخة المستضعفين المظلومين .

يرى الإمام أنّ إعلان البراءة لا يتجزّأ; لأنّه يمثِّل صرخة براءة المستضعفين والمحرومين بوجه المستكبرين الظالمين . . وبالتالي يُعبّر إعلان البراءة في موسم الحج من قبل المسلمين الآتين من أصقاع الأرض الإسلامية عن الرفض لكلّ الظالمين الذين يتحكّمون برقاب المسلمين .

يقول الإمام: آ«إنّ صرخة براءتنا من المشركين والكافرين اليوم هي صرخة البراءة من الظلم والظالمين ، هي صرخةُ اُمّة ضاقت ذرعاً باعتداءات الشرق والغرب ، وعلى رأسهم أمريكا وأذنابها ، وغضبُ مَن نُهب بيتها وثرواتهاآ» . ثمّ يقول:

آ«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعب الأفغاني المظلوم ضد الاتحاد السوفيتيآ» .

آ«وإنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعوب المسلمة المضطهدة في أفريقياآ» .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران: 96 .

(2) خطاب الإمام: 28 / ذي الحجة / 1400 هـ .

(3) ن . م .



--[41]--

آ«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الشعبين اللبناني والفلسطيني . .آ» .

آ«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة جميع الذين ما عادوا يتحمّلون فرعنة أمريكا وتواجدها السلطوي . .آ» .

آ«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الدفاع عن الشعوب والكرامات والنواميس . .آ» .

آ«إنّ صرخة براءتنا هي صرخة الفقراء والجياع والمحرومين الذين نهب الجشعون والقراصنة الدوليون حصيلة كدِّ يمينهم وعرق جبينهمآ» .

المبحث الثالث: آية سقاية الحاجّ

حرص القرآن الكريم على تحديد مقاصد وأهداف فريضة الحج ومناسكها ، والدور الذي يضطلع به بيت الله الحرام ، واستنكر المحاولات التي تجعل ما ليس في المقاصد والأهداف والقيم مقصداً أكبر وهدفاً أسمى وقيمةً أعلى .

من هذا المنطلق نزلت آية (سقاية الحاج) لتحبط إحدى تلك المحاولات الخاطئة في تشخيص القيم والأولويات ، على أثر تلك الحادثة المعروفة التي يذكرها المفسِّرون في أسباب نزول(1) قوله تعالى:

}أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله . . .{(2) .

يرى الإمام الخميني أنّ هذه الآية الشريفة كأنها نزلت اليوم ، وفي واقعنا المعاصر ، حيث اعتبر بعض أنّ سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام من أكبر الأعمال والمنجزات والمقاصد في موسم الحج ، وراح يفتخر بذلك . . من خلال الحديث عن الخدمات التي يوفّرها ، والتوسعات المعمارية التي أنشأها ، وما إلى ذلك من الاُمور التي تدخل تحت عنوان (سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام) .

ولهذا يقول الإمام:

آ«كأنّ هذه الآية الشريفة نزلت في عصرنا ، وتحكي عن حالنا ، وتصف الانشغال بسقاية الحاج وبعمارة المسجد الحرام ـ مع الغفلة عن الإيمان بالله وباليوم الآخر ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جاء في تفسير الطبري بإسناده عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار ، وعبّاس بن عبد المطّلب ، وعلي بن أبي طالب . فقال طلحة: أنا صاحب البيت ، معي مفتاحه ، لو أشاء بِتُ فيه!

وقال عباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ، ولو أشاء بتُ في المسجد!

وقال علي: ما أدري ما تقولان؟! لقد صلّيت إلى القبلة ستّة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد! فأنزل الله: }أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام{ الآية . . (تفسير الطبري 6 : 337) .

(2) التوبة: 19 .



--[42]--

والابتعاد عن الجهاد في سبيل الله ـ بأنّه ظلم ، وتعتبر الفاعلين لذلك ظالمينآ»(1) .

وقد نبّه الإمام إلى هذه الحقيقة القرآنية ، قائلاً:

آ«ها أنا أغتنم هذه الفرصة; لأشير إلى إحدى آيات الكتاب الكريم ، حيث يقول جلّ وعلا: }أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين{(2) .

ويوضّح الإمام دلالات الآية المباركة بقوله:

آ«إنّ الله سبحانه وتعالى يقول في هذه الآية: أنتم ذوي القلوب العمياء ، أمِنَ الممكن أن تساووا بين سقاية الحجيج وعمارة المسجد الحرام ، وبين أولئك الذين آمنوا بالله وبيوم الجزاء وجاهدوا في سبيل الله؟!

حاشا أن تتساووا أنتم وأولئك ، فالله لا يهدي القوم الظالمينآ»(3) .

ثمّ يستفيد من سياق الآية المباركة نكتة رائعة ، بذكر الجهاد في سبيل الله بعد الايمان بالله واليوم الآخر ، فيقول:

آ«إنّ ما يلفت النظر في هذه الآية هو أنّ الله سبحانه قد ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، وقد اختار من بين كلِّ القيم الإسلامية الإنسانية ، الجهاد في سبيل الله ضدّ أعداء الله وأعداء البشرية ، وجاء به مباشرةً بعد الايمان بالله ويوم الجزاء ، وقد علم المسلمون كافّة من هذا الاختيار أنّ أهمّية الجهاد تفوق كلّ شيءآ»(4) .

ويؤكّد الإمام ـ في خطاب آخر ، وانطلاقاً من آية (سقاية الحاج) ـ أنّ آ«سدانة البيت وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام غير كافية ، ولا ترتبط بالهدف والمقصدآ»(5) .

ولهذا يرى أنّ آ«بساطة البيت والمسجد ـ كما كانا عليه زمان إبراهيم(عليه السلام) وفي صدر الإسلام ـ مع تلاحم المسلمين الوافدين على ذلك المكان البسيط ، أفضل ألف مرّة من تزيين الكعبة والأبنية المرتفعة فيها ، مع الغفلة عن الهدف الأصلي ، والمقصد الأساس المتمثّل بقيام الناس وشهود المنافع: }أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجة / 1404 هـ .

(2) خطاب الإمام: 7 / ذي الحجة / 1407 هـ .

(3) خطاب الإمام: 7 / ذي الحجة / 1407 هـ .

(4) خطاب الإمام: 7 / ذي الحجة / 1407 هـ .

(5) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجة / 1404 هـ .



--[43]--

كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين{(1) ، كأنّ هذه الآية الشريفة نزلت في عصرنا ، وتحكي عن حالنا!!آ»(2) .

المسجد: مركز انطلاق زحف القوّات الإسلامية

آ«إنّ المسجد في صدر الإسلام ، كان دوماً مركز النهضة والتحرّكات الإسلامية . من المسجد كانت تنطلق الدعوة إلى الإسلام . ومن المسجد كانت تزحف القوات الإسلامية لقمع الكفّار ، أو لجذبهم تحت راية الإسلامآ»(3) .

آ«هذا المسجد الحرام ومساجد عصر الرسول(صلى الله عليه وآله) كانت مركز الحروب والمعارك ، ومركز السياسات والشؤون الاجتماعية والسياسية . لم يكن مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) مقتصراً على المسائل العبادية كالصلاة والصيام فحسب بل إنّ مسائله السياسية كانت أكثر ، فمتى ما أرادوا إرسال المقاتلين إلى ساحات القتال والجهاد ، وتعبئتهم في الحروب والمعارك ، كان المسجد هو المركز والمنطلقآ»(4) .

لقد كان الإمام ـ وانطلاقاً من آيات القرآن التي تتحدّث عن الكعبة ودورها في القيام والنهضة ـ يرى أنّ البيت الحرام آ«اُسس للقيام . . لقيام الناس ، كما أُسس للنّاس . . فيجب ـ إذن ـ الاجتماع فيه لهذا الهدف الكبير ، ويجب تحقيق منافع الناس في هذه المواقف المشرّفةآ» ، ويؤكّد ـ انطلاقاً من آية (سقاية الحاج) ـ على أنّ آ«سدانة البيت وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام غير كافية ، ولا ترتبط بالهدف والمقصدآ»(5) .

ولهذا كان يخاطب الحجّاج الوافدين على بيت الله بأن يتجهزوا من (مركز تحطيم الأصنام) لتحطيم الأصنام السياسية والطاغوتية في العالم ، حيث يقول:

آ«أنتم يا حجّاج بيت الله الحرام ، يا من وفدتم من أقطار العالم وأكنافه على بيت الله ، مركز التوحيد ومهبط الوحي ومقام إبراهيم ومحمد الرجلين العظيمين الثائرين على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التوبة : 19 .

(2) ن . م .

(3) خطاب الإمام: 23 / جمادى الأولى / 1399 هـ .

(4) خطاب الإمام: 8 / ذي القعدة / 1403 هـ .

(5) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجة / 1404 هـ .



--[44]--

المستكبرين ، وسارعتم للوصول إلى المواقف الكريمة التي كانت في عصر الوحي أرضاً يابسة وهضاباً قاحلة ، غير أنّها كانت مهبط ملائكة الله ومحلاًّ لهجوم جنود الله . . . اعرفوا هذه المشاعر الكبرى وتجهّزوا من مركز تحطيم الأصنام لتحطيم الأصنام الكبرى التي ظهرت على شكل قوى شيطانية ، وغزاة يمتصون الدماء ، ولا تخشوا هذه القوى الفارغة من الإيمان . وفي هذه المواقف الكريمة ، وبالتوكل على الله العظيم ، اعقدوا بينكم ميثاق الاتحاد والاتفاق في مواجهة جنود الشرك والشيطان ، واحذروا من التفرّق والتنازع }ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم{آ» .

آ«إنّ ريح الإيمان والإسلام ـ التي هي أساس النصر والقوّة ـ تزول وتذهب بالتنازع والتشرذم المنطلق من الأهواء النفسية والانانياتآ»(1) .

إعلان البراءة: الخطوة الأولى في طريق الجهاد والنضال

يؤكّد الإمام أنّ إعلان البراءة في موسم الحج ، في مكة المكرّمة ، ليس مجرّد آ«شعارات وهتافاتآ» فحسب ، بل إنّه يتعدّى ذلك آ«إلى تعبئة الأمة وتنظيم جنود الله في مواجهة جنود إبليسآ» .

ويصرّح: بأنّ إعلان البراءة آ«هو المرحلة الاُولى في طريق الجهاد والكفاح ، وأنّ مواصلة المراحل الاُخرى هي من واجبنا ، حيث إنّ أداءه في كلّ عصر وزمان يختلف باختلاف الأساليب ومتطلّبات العصرآ» .

ويشجب الإمام تلك المحاولات التي تريد تفريغ الحج من مضمونه الجهادي الثوري التعبوي ، من خلال:

أوّلاً: آ«إلقاء روح اليأس والعجز والخنوع في نفوس المسلمينآ» .

ثانياً: آ«الإيحاء بأنّ محاربة ومقارعة الأنبياء للأصنام ولعبادة الأوثان ، تنحصر وتقتصر على الحجارة والأخشاب الجامدة التي لا روح فيها ، وأنّ أنبياء من مثل (إبراهيم) الذي كان سبّاقاً في تحطيم الأصنام ، قد اقتصر عمله ـ والعياذ بالله ـ على تلك الأصنام الحجرية ، وترك ساحة الجهاد وميدان النضال ضدّ الظالمينآ» .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 9 / ذي الحجة / 1399 هـ .



--[45]--

ويردّ الإمام على هؤلاء المتآمرين على الحقائق القرآنية والتاريخية بأنّ آ«كلّ ما أقدم عليه النبيّ إبراهيم من تحطيم الأصنام وجهاد النمروديين وعبدة الشمس والقمر والنجوم ، ما هو إلاّ مقدّمة لهجرة كبرى ، وإنّ كلّ تلك الهجرات والشدائد والصعاب والعيش في واد (غير ذي زرع) وبناء البيت والتضحية بإسماعيل ، كانت مقدّمة لبعثه ورسالة ختمت فيها الرسل ، وضمّت عودة لحديث أوّل وآخر بناة ومؤسسي الكعبة، وأبلغت رسالتها الأبدية بكلام خالد: }إنّي بريءٌ ممّا تشركون{!

مقارعة الأوثان المعاصرة

يرى الإمام أنّ الاقتصار على الرؤية التاريخية القديمة للأصنام ومعابدها ، يوصلنا إلى نتيجة خاطئة وهي: آ«عدم وجود صنم أو وثن وعبادته في هذا العصرآ» ، ولذا يرى أنّه لا يوجد إنسان عاقل في الدنيا آ«لا يدرك عبادة الأصنام الجديدة وأحابيلها ، ولا يعرف هيمنة معابد الأصنام في واقعنا المعاصر ـ كالبيت (الأسود) الأمريكي ـ على البلاد الإسلامية ، وعلى أرواح وأعراض المسلمين والعالم الثالث . .آ»(1) .

يرى الإمام أنّ عصرنا زاخرٌ بالأصنام والأوثان ومعابدها ، وأنّ الطاغوت السياسي هو الصنم الكبير الذي دعانا القرآن إلى رفضه والثورة عليه:

}فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها{(2) .

}الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات{(3) .

إنّه الصراع التاريخي المرير بين أولياء الله وأولياء الطاغوت ، وما صراعنا المعاصر إلاّ امتداد لذلك التصارع والتدافع ، وتبقى المصاديق للطاغوت والظلمات ثابتة في مضمونها وإن اختلفت أشكالها .

ويعطي الإمام المصاديق المتنوّعة للظلمات:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجة / 1407 هـ .

(2) البقرة: 256 .

(3) البقرة : 257 .



--[46]--

(الجهل) و(المعصية) و(التبعية للغرب والانبهار به) ، ويعتبر الأخير من أشدّ الظلمات آ«لأنّ جميع مشاكلنا ومصائبنا تكمن في أننا فقدنا أنفسنا ، ونسينا مفاخرنا ، وقضينا على كرامتنا واستقلالنا ووطنيتنا . كلّ هذه ظلمات ، والطاغوت هو الذي أخرجنا من نور الاستقلال والوطنية والإبداع العلمي ، إلى ظلمات التبعية والذيلية والشعور بالدونيةآ» .

بيد أنّ أكبر هذه الظلمات وأحلكها وأخطرها هي ظلمة (الأنانية) لأنها آ«العدوّ الأسوء من كلّ الأعداء ، والوثن الأكبر من كلّ الأوثان ، بل هي اُمّ الأوثان ، وما لم يحطِّم الإنسان هذا الوثن لا يمكن أن يُصبح إلهياً; لأنّه لا يمكن الجمع بين الله والوثن ، وبين الإلهية والأنانيّةآ»(1) .

ومن منطلق هذه الرؤية القرآنية الرائعة والمعاصرة لمعنى (الطاغوت) و(الوثن) و(الصنم) يمتزج البعد السياسي ـ الاجتماعي لفريضة الحجّ بالبعد النفسي ـ العرفاني; ليشهد الحجيج الآتون من كلّ فجّ عميق منافع على أصعدة متعدّدة ، وساحات متنوّعة ، وميادين شتّى .

إنّ هذا الالتحام الرائع بين أبعاد الحجّ وآفاقه لا يتحقق إلاّ بوعينا لأبعاد (الطاغوت) ومصاديقه ، التي تمتدُّ من ميدان النفس إلى ميادين القتال والجهاد والنضال .

ومن هنا ندرك مقولة الإمام ومدى دلالاتها العميقة:

آ«إنّ البعد (السياسي ـ الاجتماعي) للحج لا يتحقق إلاّ بتحقق بعده (المعنوي ـ الإلهي)آ»!

ولهذا يدعو حجّاج بيت الله الحرام قائلاً:

آ«لتكن تلبياتكم تلبية لدعوة الله ، وليكن إحرامكم من أجل الوصول إلى ساحة الحضور الإلهي . وأنتم تلبّون ارفضوا الشرك بجميع مراتبه ، وهاجروا من ذواتكم التي هي مصدر الشرك الأكبر إلى الله عزّوجلّآ» .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منهج الإمام الخميني في التفسير : 33 . نقلاً عن: مختارات من أقوال الإمام  1 : 109ـ114 (تفسير آية }ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور{ إبراهيم: 5 .



--[47]--

ويتمنّى للحجّاج المهاجرين الوصول إلى آ«الوفاة التي تعقب الهجرة ، لينالوا ما وقع على الله من أجرآ»(1) .

وهذه إشارة واضحة إلى آية الهجرة: }ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله{(2) .

وآية الهجرة هذه طالما ركّز عليها الإمام في خطاباته ورسائله وكتبه إلى درجة تكاد تكون في المقام الثاني بعد آية القيام(3) ، ذلك لأنه يؤمن إيماناً عميقاً بأنّ وصول السالك إلى مرحلة الفناء التام ، والمحو المطلق ، ثمّ الصحو بعد المحو ، هو الذي يجعله ذا إرادة نافذة للحق تعالى ، حينما يزول غبار الكثرة ، وتتكسّر أصنام كعبة القلب ، وما لم تتكسّر تلك الأصنام لا يمكن للإنسان أن يسعى في تكسير الأصنام الاُخرى الحجرية أو البشرية المتمثِّلة بالطاغوت السياسي ـ الاجتماعي(4) .

من هذا المنطلق يؤكّد الإمام على حقيقة بعثة الأنبياء والمرسلين ، والمقصد الأساس وراء إنزال الكتب السماوية ، قائلاً:

آ«لقد بعث الأنبياء كافّة ، وأنزلت الكتب السماوية كافة ، من أجل إخراج الإنسان من معبد الأصنام هذا ـ (الأنانية التي هي اُمّ الأوثان) ـ وتحطيمها ، وتحويله إلى عابد للهآ» ، وعندما يخرج الإنسان من ظلمات الأنانية آ«يصبح عاملاً لله ، مقاتلاً في سبيل اللهآ»(5) .

من هذا المنطلق ـ أيضاً ـ يخاطب الإمام حجّاج بيت الله قائلاً:

آ«ما دمتم مكبّلين بأغلال ذاتياتكم وأهوائكم وأنانياتكم لا تستطيعون الجهاد في سبيل الله ، ولا الدفاع عن حريم اللهآ»(6) .

آ«ولو تحقّق في الإنسان هذا الجانب العرفاني والمعنوي وحده ، واقترنت التلبية  ـ (لبّيك اللهمّ لبّيك) ـ صدقاً بنداء الله تعالى ، فإنّ الإنسان سيحقّق الانتصار في جميع الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية ، وحتّى العسكرية . وإنّ مثل هذا الإنسان لا يفهم معنى الهزيمة والفشلآ»(7) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجة / 1404 هـ .

(2) النساء : 100 .

(3) }قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى . . .{ .

(4) راجع: الآداب المعنوية / 422 .

(5) منهج الإمام الخميني في التفسير / 48 . نقلاً عن كتاب (تفسير آية البسملة) للإمام الخميني/ 48 ، 100 .

(6) خطاب الإمام: 2 / ذي الحجة / 1404 هـ .

(7) خطاب الإمام: 28 / ذي القعدة / 1405 هـ .



--[48]--

آ«بتلبيتكم قولوا (لا) لكلّ الأصنام . وأي صنم أكبر من الشيطان الأكبر أمريكا الطامعة؟!

أرفضوا كلّ الطواغيت الصغار والكبار .

اجعلوا قلوبكم في الطواف حول بيت الله خالية من غير الله ، فإنّ الطواف يرمز إلى عشق الله .

نزّهوا أنفسكم من أن تخاف من غير الله تعالى .

تبرّأوا ـ مع عشق الله ـ من الأصنام الكبيرة والصغيرة ، ومن الطواغيت وأتباعهم . .

وفي لمسكم للحجر الأسود بايعوا الله لأن تكونوا أعداءً لأعداء الله ورسوله والصالحين والأحرار . .

اقتلعوا جذور الخوف من قلوبكم فإنّ كيد أعداء الله ـ وعلى رأسهم الشيطان الأكبر ـ كان ضعيفاً ، مهما تفوّقوا في وسائل القتل والدمار والإجرام . .

وفي السعي بين (الصفا) و(المروة) اسعوا ـ بصدق وإخلاص ـ لتجدوا المحبوب ، فإن وجدتموه يتقطع كلّ انشداد إلى الدنيا ، وينقلع كلّ شكٍّ وتردّد ، وتنفصم كلّ القيود ، وعندها تتفتّح براعم الحرية وتتحطّم الأغلال التي كبّل بها الطواغيت عباد الله ، وأسروهم واستعبدوهم .

واتّجهوا إلى (المشعر الحرام) و(عرفات) بشعور وعرفان ، وزيدوا دوماً من ثقتكم بوعد الله وحكومة المستضعفين ، وتفكّروا بآيات الله في هدوء وسكون . . وفكّروا في إنقاذ المحرومين والمستضعفين من مخالب المستكبرين .

اِذهبوا إلى (منى) لتنالوا فيها الأماني الحقّة المتمثِّلة في تقديم أعزّ ما عندكم قرباناً على طريق المحبوب . .آ»(1) .

آ«برجمكم (العقبات الثلاثة) عاهدوا الله على رجم وطرد شياطين الإنس والقوى المستكبرة من بلدان العالم الإسلاميآ»(2) .

وهكذا تلتحم الثورة والعرفان ، وتتعانق السياسة والعبادة ، ويتزامن السعي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 1 / ذي الحجّة / 1406 هـ .

(2) خطاب الإمام: 7 / ذي الحجّة / 1399 هـ .



--[49]--

بين الصفا والمروة بالسعي نحو تحقيق الأماني الحرّة ، ورجم العقبات برجم الطاغوت ، وطواف الكعبة بالقيام والنهضة والثورة .

وهكذا ـ أيضاً ـ يتحوّل عيد الأضحى المبارك إلى عيد التضحية والبذل والفداء والعطاء في سبيل الله ، ومقارعة الظالمين والطاعنين; لأنّه آ«العيد الذي يذكّر الواعين بالتضحية الإبراهيمية ، ويقدّم دروس الفداء والجهاد في سبيل الله إلى أبناء آدم وأصفياء الله وأوليائهآ»(1) .

لقد علّمنا إبراهيم ـ شيخ الموحّدين ومحطّم الأصنام ومؤسس الإيثار ـ كيف نعيِّد ومتى ، آ«علّمنا وعلّم الجميع أن نقدّم أعزّ ثمار حياتنا في طريق الله ، ثمّ نعيِّد!!آ»(2): }فلمّا أسلما وتلّهُ للجبين* وناديناه أن يا إبراهيم* قد صدّقت الرؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين* إنَّ هذا لهو البلاءُ المبين * وفديناه بذبح عظيم* وتركنا عليه في الآخرين{(3) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خطاب الإمام: 10 / ذي الحجّة / 1403 هـ .

(2) ن . م .

(3) الصافات : 103 ـ 108 .